كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)
"""""" صفحة رقم 229 """"""
سنة ستين
ذكر وفاة معاوية بن أبي سفيان وما أوصى به عند وفاته
كانت وفاته بدمشق في شهر رجب من هذه السنة ، قيل : في مستهله ، وقيل : في النصف منه ، وقيل : لأربع بقين منه ، وقيل : في يوم الخميس لثمانٍ بقين من شهر رجب سنة تسع وخمسين قال : وكان معاوية قد خطب الناس قبل موته فقال : " إني لزرع مستحصد وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني ، وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي ، لن يأتيكم بعدي إلا من أنا خير منه ، كما أن من كان قبلي كان خيراً مني ، وقد قيل : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، اللهم إني أحببت لقاءك فأحبب لقائي وبارك لي فيه " . فلم يمض غير قليل حتى ابتدأ به مرضه الذي مات فيه .
قال ولما مرض دعا ابنه يزيد وقال : " يا بني إني قد كفيتك الشد والترحال ، ووطأت لك الأمور ، وذللت الأعداء ، وأخضعت ، لك رقاب العرب ، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد ، فانظر أهل الحجاز فإنهم أصلك ، فأكرم من قدم عليك منهم ، وتعاهد من غاب وانظر أهل العراق ، فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل ، فإن عزل عامل أيسر من أن يشهر عليك مائة ألف سيف ، وانظر أهل الشام ، فليكونوا بطانتك وعيبتك ، فإن رابك من عدوك شيء فانتصر بهم ، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم ، فإنهم إن أقاموا بغيرها تغيرت أخلاقهم ، وإني لست أخاف عليك أن ينازعك هذا الأمر إلا أربعة نفر من قريش : الحسن بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر ، فأما ابن عمر فرجل قد وقذته العبادة ، فإذا لم يبق أحد غيره بايعك ، وأما الحسين فإنه رجل خفيف ، ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه ، فإن خرج فظفرت به فاصفح عنه ، فإن له رحماً ماسة وحقاً عظيماً وقرابة من محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأما ابن أبي بكر فإن رأى أصحابه صنعوا شيئاً صنع مثله ليست له همة إلا في النساء واللهو ، وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ، ويراوغك مراوغة الثعلب ، فإن أمكنته فرصة وثب ، فذاك ابن الزبير ، فإن هو فعلها بك فظفرت