كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)
"""""" صفحة رقم 237 """"""
ثم دخل فسلم ومروان عنده ، فقال الحسين : " الصلة خير من القطيعة ، والصلح خير من الفساد ، وقد آن لكما أن تجتمعا ، أصلح الله ذات بينكما " وجلس ، فأقرأه الوليد الكتاب ، ونعى إليه معاوية ، ودعاه إلى البيعة ، فاسترجع الحسين وترحم على معاوية ، وقال : " أما البيعة فغن مثلي لا يبايع سراً ، ولا تجتزي بها مني سراً ، فإذا خرجت إلى الناس ودعوتهم إلى البيعة دعوتنا معهم فكان الأمر واحد " فقال له الوليد - وكان يحب العافية - انصرف .
فقال له مروان : " لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أيدا حتى تكثر القتلى بينك وبينه ، احبسه ، فإن بايع وإلا ضربت عنقه " . فوثب الحسين عند ذلك وقال : " يا ابن الزرقاء أنت ، تقتلني أو هو ؟ كذبت والله ولؤمت ثم خرج حتى أتى منزله .
فقال مروان للوليد : عصيتني لا والله لا يمكنك من نفسه بمثلها أبدا ، فقال الوليد : " ويح غيرك يا مروان ، والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأني قتلت حسيناً إن قال لا أبايع والله إني لأظن أمراً يحاسب بدم الحسين خفيف الميزان عند الله يوم القيامة " قال مروان : قد أصبت بقولك هذا يقول وهو غير حامد له على رأيه .
وأما ابن الزبير فإنه أتى داره وجمع أصحابه واحترز ، فألح الوليد في طلبه وهو يقول " أمهلوني " . فبعث الوليد إليه مواليه فشتموه ، وقالوا له : يا ابن الكاهلية لتأتين الأمير أو ليقتلنك فقال لهم : والله لقد استربت لكثرة الإرسال ، فلا تعجلوني حتى أبعث إلى الأمير من يأتيني برأيه . فبعث أخاه جعفر بن الزبير فقال له : " رحمك الله ، كف عن عبد الله فإنك قد أفزعته وذعرته ، وهو يأتيك غداً إن شاء الله تعالى ، فمر رسلك فلينصرفوا عنا " فبعث إليهم ، فانصرفوا وخرج ابن الزبير من ليلته هو وأخوه جعفر ليس معهما ثالث فسارا نحو مكة فسرح الوليد الرجال في طلبه فلم يدركوه ، فرجعوا ، وتشاغلوا به عن الحسين يومهم . ثم أرسل الوليد الرجال إلى الحسين فقال لهم : أصبحوا ثم ترون ونرى . فكفوا عنه ، فسار من ليلته نحو مكة ، وأخذ معه بنيه وإخوته وبني أخيه وجل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية فإنه قال للحسين رضي الله عنهما : " يا أخي أنت أحب الناس إلي وأعزهم علي ، ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك ، تنح ببيعتك عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت ، وابعث رسلك إلى الناس فادعوهم إلى نفسك فإن بايعوك حمدت الله على ذلك ، وإن اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا