كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)
"""""" صفحة رقم 238 """"""
عقلك ، ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك ، إني أخاف أن تأتي مصر وجماعةً من الناس فيختلفون عليك ، فمنهم طائفة معك ، وأخرى عليك ، فيقتتلون ، فتكون لأول الأسنة ، فإذا خير هذه الأمة كلها نفسا وأباً وأما ، أضيعها دماً وأذلها أهلا " قال الحسين : فأين أذهب يا أخي ؟ قال : " انزل مكة ، فغن اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك ، وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلى أخرى ، حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس ، ويفرق لك الرأي ، فإنك أصوب ما تكون رأياً وأخرمه عملا حين تستقبل الأمور استقبالاً ، ولا تكون الأمور أبدا أشكل منها حين تستدبرها " قال : قد نصحت وأشفقت وأرجو أن يكون رأيك سديداً موفقاً إن شاء الله .
ثم دخل المسجد وهو يتمثل بقول يزيد بن مفرغ :
لا ذعرت السّوام في شفق الصبح . . . مغيرا ولا دعيت يزيدا
يوم أعطي من المهابة ضيماً . . . والمنايا يرصدنني أن أحيدا
ثم خرج نحو مكة وهو يتلو " فخرج منها خائفاً يترقّب قال ربّ نجّني من القوم الظالمين " ، ولما دخل مكة قرأ " ولمّا توجه تلقاء مدين قال عسى ربّي أن يهديني سواء السبيل " .
قال : وأما ابن عمر فإن الوليد أرسل إليه ليبايع ، فقال : إذا بايع الناس بايعت . فتركوه ، وكانوا لا يخافونه .
وقيل : إن ابن عمر كان بمكة هو وابن عباس ، فعاد إلى المدينة ، فلقيا الحسين وابن الزبير ، فقالا لهما : ما وراءكما ؟ قالا : موت معاوية وبيعة يزيد ، قال ابن عمر : لا تفرقا جماعة المسلمين . وقدم هو وابن عباس المدينة ، فلما بايع الناس بايعا .
قال : ودخل ابن الزبير مكة وعليها عمرو بن سعيد فقال : أنا عائذ بالبيت . ولم يكن يصلي بصلاتهم ، ولا يفيض بإفاضتهم ، وكان يقف هو وأصحابه ناحية .