كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)
"""""" صفحة رقم 249 """"""
وشمر بن ذي جوشن الضبابي وترك وجوه الناس عنده استئناساً بهم ، لقلة من معه .
وخرج أولئك النفر على الناس من القصر ، فمنوا أهل الطاعة ، وخوفوا أهل المعصية ، فلما سمع الناس مقالة أشرافهم تفرقوا ، حتى إن المرأة لتأتي ابنها وأخاها ، فتقول : " انصرف ، الناس يكفونك " ، ويفعل الرجل مثل ذلك .
فما زالوا يتفرقون حتى بقي مسلم بن عقيل في المسجد في ثلاثين رجلاً ، فلما رأى ذلك خرج نحو أبواب كندة ، فلما وصل إلى الباب لم يبق معه أحد ، فمضى في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب .
فانتهى إلى باب امرأة من كندة يقال لها طوعة - أم ولد كانت للأشعث ، فأعتقها ، فتزوجها أسيد الحضرمي ، فولدت له بلالاً وكان بلال قد خرج مع الناس ، وهي تنتظره - فسلم عليها ، وطلب منها ماءً فسقته ، فجلس ، فقالت : يا عبد الله ألم تشرب ؟ قال : بلى ، فقالت ، فاذهب إلى أهلك ، فسكت ، فكرت ذلك عليه ثلاثاً فلم يبرح ، فقالت : سبحان الله إني لا أحل لك الجلوس على بابي . فقال : ليس لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة ، فهل لك في أجر معروف ، ولعلي أكافئك به بعد اليوم . قالت وما ذاك ؟ قال : أنا مسلم بن عقيل ، كذبني هؤلاء القوم وغروني . قالت : ادخل ، فأدخلته بيتاً في دارها غير البيت الذي تكون فيه وعرضت عليه العشاء فلم يتعش ، وجاء ابنها فرآها تكثر الدخول في ذلك البيت ، فسألها ، فلم تخبره ، فألح عليها ، فأخبرته ، واستكتمته وأخذت عليه الأيمان بذلك .
قال : وأما ابن زياد ، فلما سكنت الأصوات قال لأصحابه : انظروا هل ترون منهم أحداً ؟ فنظروا فلم يروا أحداً فنزل إلى المسجد قبل العتمة ، وأجلس أصحابه حول المنبر ، وأمر فنودي : " برئت الذمة من رجل من الشرط والعرفاء والمناكب والمقاتلة صلى العتمة إلا في المسجد ، فامتلأ المسجد ، فصلى بالناس ، ثم قام فحمد ثم قال : " أما بعد ، فإن ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الخلاف والشقاق ، فبرئت الذمة من رجل وجدناه في داره ، ومن أتانا به فله ديته " وأمرهم