كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)
"""""" صفحة رقم 251 """"""
أراك تعجز عن أماني ، فهل تستطيع أن تبعث من عندك رجلاً يخبر الحسين بحالي ، ويقول له عني : ليرجع بأهل بيته ولا يغره أهل الكوفة ، فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل ؟ " فقال ابن الأشعث : والله لأفعلن . وفعل وأبى الحسين الرجوع .
قال : وجاء محمد بمسلم إلى القصر فأجلسه على بابه ودخل هو إلى ابن زياد فأخبره بأمانه ، فقال له : ما أنت والأمان ما أرسلناك لتؤمنه ، إنما أرسلناك لتأتينا به .
قال : ولما جلس مسلم على باب القصر رأى جرة فيها ماء بارد فقال اسقوني من هذا الماء ، فقال له مسلم بن عمرو الباهلي : أتراها ما أبردها والله لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميمفي نار جهنم فقال له ابن عقيل : من أنت ؟ قال : " أنا من عرف الحق إذ أنكرته ، ونصح الأمة وإمامه إذ غششته ، وسمع وأطاع إذ عصيته ، أنا مسلم بن عمرو . فقال له ابن عقيل : لأمك الثكل ، ما أجفاك وأفظك وأقسى قلبك وأغلظك أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني " قال : فدعا عمارة بن عقبة بماء بارد فصب له في قدح ، فأخذ يشرب فامتلأ القدح دماً : فعل ذلك ثلاثاً ، ثم قال : لو كان من الرزق المقسوم لشربته .
وأدخل على ابن زياد ، فلم يسلم عليه بالإمرة ، فقال له الحرسي : ألا تسلم على الأمير . فقال إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه وإن كان لا يريده فليكثرن تسليمي عليه . فقال ابن زياد : لعمري لتقتلن . قال فدعني أوصي إلى بعض قومي . قال : افعل . فقال لعمر بن سعد بن أبي وقاص : " إن بيني وبينك قرابة ، ولي إليك حاجة وسر " . فلم يمكنه من ذكرها ، فقال له ابن زياد : لا تمتنع من حاجة ابن عمك . فقام معه ، فقال : " إن علي بالكوفة ديناً استدنته أنفقته : سبعمائة درهم ، فاقضها عني ، وانظر جثتي فاستوهبها فوارها ، وابعث إلى الحسين فاردده " . فقال عمر لابن زياد أتدري ما سارني ؟ فقال : أكثرتم على ابن عمك ، فقال : الأمر أكبر من هذا . قال : اكتم على ابن عمك ، قال : الأمر أكبر من هذا ، وأخبره بما قال . فقال ابن زياد لا يخونك الأمين ، ولكن قد يؤتمن الخائن . أما مالك فهو لك تصنع به ما شئت ، وأما حسي فإن لم يردنا لم نرده ، وإن أرادنا لم نكف عنه ، وأما جثته فإنا لا نشفعك فيها " وقيل : إنه قال : وأما جثته فإذا قتلناه لا نبالي ما صنع بها .