كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)

"""""" صفحة رقم 260 """"""
الأعراب فسأله عن مقصده فأخبره ، قال : " إني أنشدك الله فلما انصرفت ، فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف ، إن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطئوا لك الأشياء فقدمت عليهم ، كان ذلك رأياً ، فأما على هذه الحال التي تذكر فإني لا أرى لك أن تفعل " فقال الحسين : يا عبد الله ، إنه ليس يخفى على ما رأيت ، ولكن الله لا يغلب على أمره .
ثم ارتحل منها وقد استهلت إحدى وستين ، وسار حتى نزل شراف فلما كان في السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء وأكثروا ، ثم ساروا منها صدر يومهم حتى انتصف النهار ، فكبر رجل من أصحابه فكبر الحسين ، وقال : مما كبرت ؟ قال : رأيت النخل ، فقال عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديان : والله عن هذا المكان ما رأينا فيه نخلة قط ، فقال : فما تريان . قالا : نراه والله رأى هوادي الخيل . فقال الحسين : وأنا والله أرى ذلك ، ما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد ؟ فقيل له : " بلى هذا ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك ، فإذا سبقت القوم إليه فهو كما تريد ، فمال إليه ، فما كان بأسرع من أن طلعت هوادي الخيل ، فلما رأوهم قد عدلوا عن الطريق عدلوا عنها إلى قصدهم ، فسبق الحسين إلى ذي حسم فنزل وأمر بأبنية فضربت ، وجاء القوم وهم ألف فارس عليهم الحر بن يزيد التميمي ، فجاءوا حتى وقفوا مقابل الحسين رضي الله عنه : وكان مسير الحر ومن معه من القادسية من قبل الحصين بن نمير التميمي .
فلم يزل الحر مواقفا حسينا حتى حضرت صلاة الظهر فأمر الحسين الحجاج بن مسروق الجعفي أن يؤذن ، فأذن ، فلما حضرت الإقامة خرج الحسين رضي الله عنه ، في إزار ورداء ونعلين ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " أيها الناس ،

الصفحة 260