كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)

"""""" صفحة رقم 261 """"""
معذرة إلى الله وإليكم إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ، وقدمت على رسلكم أن اقدم علينا فإنه ليس لنا إمام لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق ، إن كنتم على ذلك فقد جئتكم ، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم ، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه إليكم " فسكتوا عنه ، وقال للمؤذن أقم . فأقام الصلاة ، فقال الحسين للحر : أتريد أن تصلي بأصحابك ؟ فقال : لا ، بل صلي أنت ونصلي بصلاتك فصلى بهم الحسين ، ثم دخل واجتمع إليه أصحابه .
وانصرف الحر ودخل خيمة قد ضربت له ، واجتمع عليه جماعة من أصحابه ، وعاد بعض أصحابه إلى صفهم الذي كانوا فيه ، ثم أخذ كل رجل بعنان دابته وجلس في طلبها .
فلما كان وقت العصر أمر الحسين أصحابه أن يتهيئوا للرحيل ففعلوا ، ثم خرج فأمر مناديه فنادى بالعصر وأقامه ، وصلى الحسين بالقوم جميعاً ، ثم سلم وانصرف إليهم بوجهه ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " أما بعد ، أيها الناس ، فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله ، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالجوار والعدوان ، فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم ، وقدمت علي به رسلكم ، انصرفت عنكم " ، فقال له الحر : إنا والله لا ندري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر . فأمر الحسين رضي الله عنه بإخراج كتبهم فأخرجت في خرجين مملوءين ، فنثرهما بين أيديهم ، فقال الحر : إنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك ، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد . فقال له الحسين : الموت أدنى إليك من ذلك ، ثم قال لقومه : قوموا فاركبوا ، وركب نساؤهم . فلما أرادوا الانصراف حال القوم بينهم وبين المسير ، فقال الحسين للحر : ثكلتك أمك ما تريد ؟ قال له : " أما والله لو غيرك من العرب يقولوها وهو على مثل الحال التي عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل أن أقوله كائناً من كان ، ولكن والله ما إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما نقدر عليه " ، فقال له الحسين : ما تريد ؟ قال : أريد أن أنطلق بك إلى عبيد الله بن زياد . فقال له الحسين : إذن والله لا أتبعك ، فقال الحر : إذن والله لا أدعك . فترادا القول ثلاث مرات فلما كثر الكلام بينهما قال الحر : " إني لم أومر بقتالك ، إنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة ، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلى المدينة يكون بيني وبينك نصفا ، حتى أكتب إلى ابن زياد وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية إن أردت أن تكتب إليه ، أو إلى

الصفحة 261