كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)
"""""" صفحة رقم 265 """"""
قال المؤرخ : ثم مضى الحسين إلى قصر بني مقاتل ، فنزل به . قال عقبة بن سمعان : فلما كان آخر الليل أمر الحسين بالاستقاء من الماء ، ثم أمرنا بالرحيل ، ففعلنا ، فلما سرنا ساعة خفق الحسين برأسه خفقة فقال : " إنا لله وإنا إليه راجعون . الحمد لله رب العالمين " يعيدها مرتين أو ثلاثاً ، فأقبل عليه ابنه علي بن الحسين ، فاسترجع وحمد الله وقال : " يا أبت ، جعلت فداك ، مم حمدت الله واسترجعت ؟ " . قال : " يا بني ، إني خفقت برأسي خفقة ، فعن لي فارس على فرس فقال : القوم يسيرون والمنايا تسير بهم . فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا " قال : يا أبت ، ألسنا على الحق ؟ قال : بلى والذي إليه مرجع العباد . قال : يا أبت إذن لا نبالي أن نموت محقين . فقال له : جزاك الله خير ما يجزي ولداً عن والده .
فلما أصبح نزل فصلى الغداة ، ثم عجل الركوب ، وسار حتى انتهى إلى نينوى ، والحر ومن معه يسايرونه فإذا راكب على نجيب عليه السلاح يمسك قوسا مقبل من الكوفة ، فوقفوا جميعا ينتظرونه ، فلما انتهى إليهم سلم على الحر وأصحابه ، ولم يسلم على الحسين ، ودفع إلى الحر كتابا من عبيد الله بن زياد : " أما بعد ، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي ، فلا تنزله بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء ، وقد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري ، والسلام " .
فقال الحر : هذا كتاب الأمير عبيد الله بن زياد ، يأمرني فيه أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه ، وهذا رسوله ، وقد أمره ألا يفارقني حتى أنفذ رأيه وأمره .