كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)

"""""" صفحة رقم 268 """"""
وكتب إلى عمر بن سعد : " بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت ، فاعرض على الحسين أن يبايع يزيد بن معاوية أمير المؤمنين هو وجميع أصحابه ، فإذا هو فعل رأينا والسلام " فلما قرأ عمر الكتاب قال : قد أحسست ألا يقبل ابن زياد العافية . قال : وكتب ابن زياد إلى عمر بن سعد : " أما بعد ، فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ، فلا يذوقوا منه قطرة ، كما صنع بالتتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان " .
فبعث عمر عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس ، فنزلوا على الشريعة ، وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء ، ومنعوهم أن يسقوا منه قطرة ، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث .
وناداه عبد الله بن أبي حصين الأزدي : " يا حسين ، ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشاً " . فقال الحسين : " اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا " . قال أبو جعفر الطبري في تاريخه : قال حميد بن مسلم " والله لقد عدته بعد ذلك في مرضه ، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته يشرب حتى يبغر ، ثم يقيء ، ثم يعود فيشرب حتى يبغر ، فما يروى ، فما زال ذلك دأبه حتى لفظ غصته " يعني نفسه .
قال : فلما اشتد على الحسين ومن معه العطش دعا أخاه العباس بن علي ، فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً ، وبعث معهم بعشرين قربة ، فدنوا من الماء ، وقاتلوا عليه ، حتى ملئوا القرب وعادوا بها إلى الحسين .
قال : ثم بعث الحسين إلى عمربن سعد أن القني الليلة بين عسكري وعسكرك . وكان رسوله إليه عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري ، فخرج عمر في نحو من عشرين فارساً ، وأقبل الحسين في مثل ذلك ، فلما التقيا أمر الحسين أصحابه أن يتنحوا عنه ، وأمر عمر بمثل ذلك ، فتكلما ، فأطالا حتى ذهب من الليل جانب ، ثم انصرف كل منهما إلى عسكره .
قال : وتحدث الناس فيما بينهم ظناً يظنونه أن الحسين قال لعمر بن سعد : اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين . فقال له عمر : إذن تهدم داري . قال : إذن أبنيها لك . قال : إذن نؤخذ ضياعي . قال : إذن أعطيك خيراً منها في الحجاز . فكره ذلك عمر بن سعد . فتحدث الناس بذلك من غير أن يكونوا سمعوه .

الصفحة 268