كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)
"""""" صفحة رقم 269 """"""
قال : وذكر جماعة من المحدثين أن الحسين قال : اختاروا مني خصالا ثلاثا : إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه ، وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه ، وإما أن أسير إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلا من أهله لي ما لهم وعلي ما عليهم .
وأنكر عقبة بن سمعان هذه المقالة وقال : " صحبت الحسين ، فخرجت معه من المدينة إلى مكة ، ومن مكة إلى العراق ، ولم أفارقه حتى قتل ، وليس من مخاطبته الناس كلمةٌ إلا وقد سمعتها ، ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس ويزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ولا أن يسيره إلى ثغر من ثغور المسلمين ، ولكنه قال : دعوني أرجع من المكان الذي أقبلت منه ، أو دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر : إلام يصير أمر الناس ؟ .
وقيل : التقى الحسين وعمر بن سعد مراراً ثلاثا أو أربعا ، فكتب عمر إلى عبيد الله بن زياد : " أما بعد ، فإن الله قد أطفأ النائرة وجمع الكلمة ، وأصلح أمر الأمة ، هذا الحسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى ، أو أن نسيره إلى ثغر من الثغور شئنا فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه ، وفي هذا لكم رضىً وللأمة صلاح " .
فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال : هذا كتاب رجل ناصح لأميره مشفق على قومه ، نعم ، قد قبلت .
فقام إليه شمر بن ذي الجوشن فقال : " أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك ، والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والعزة ولتكونن أولى بالضعف والعجز ، فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن ، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه ، فإن عاقبت فأنت ولي العقوبة ، وإن عفوت كان ذلك لك ، والله لقد بلغني أن الحسين وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل " .
فقال له ابن زياد : " نعم ما رأيت ، اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد ، فليعرض على حسين وأصحابه النزول على حكمي ، فإن فعلوا فليبعث بهم إلى سلما ،