كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)
"""""" صفحة رقم 274 """"""
فقالت : " يا ويلتاه أفتغضب نفسك اغتصاباً ؟ فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي " . ثم لطمت وجهها وأهوت إلى جيبها فشقته ، ثم خرت مغشياً عليه ، فقام إليها الحسين فصب على وجها الماء وقال لها : " يا أخيه ، اتق الله ، وتعزي بعزاء الله واعلمي أن أهل الأرض يموتون ، وأن أهل السماء لا يبقون ، وأن كل شيءٍ هالك إلا وجهه ، الذي خلق الأرض بقدرته ، ويبعث الخلق فيعودون وهو فرد وحده ، وأبي خيرٌ مني ، وأمي خيرٌ مني ، وأخي خيرٌ مني ، ولي ولهم ولكل مسلم أسوة برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " . فعزاها بهذا ونحوه ، وقال لها : " يا أخيه ، إني أقسم عليك فأبري قسمي ، أن لا تشقي علي جيباً ، ولا تخمشي علي وجها ، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت " . ثم خرج إلى أصحابه ، فأمرهم أن يقربوا بيوتهم بعضها إلى بعض ، وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض ، وأن يكونوا هم بين البيوت ، فيستقبلوا القوم من وجه واحد ، والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم .
قال : وقاموا الليل كله يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون .
فلما صلى عمر بن سعد الغداة ، وذلك يوم السبت ، وهو يوم عاشوراء ، وقيل : يوم الجمعة ، خرج فيمن معه من الناس .
وعبأ الحسين أصحابه بالغداة ، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً ، فجعل زهير بن القين في ميمنته ، وحبيب بن مظهر في ميسرته ، وأعطا رايته العباس أخاه ، وأمر بحطب وقصب فألقي في مكان مخفض من ورائهم كأنه ساقيه كانوا عملوه في ساعة من الليل ، وأضرم فيه نارا ، لئلا يؤتوا من ورائهم ، فنفعهم ذلك .
وجعل عمر بن سعد على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي ، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن ، وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي ، وعلى الرجال شبثٌ بن ربعي ، وأعطى الراية ذويداً مولاه ، وجعل على ربع المدينة عبد الله بن زهير الأزدي ، وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس ، وعلى ربع مذحج وأسد