كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)
"""""" صفحة رقم 279 """"""
موقف قط مثل شيء أراه الآن ولو قيل لي : من أشجع أهل الكوفة رجلا ؟ ما عدوتك فما هذا الذي أرى منك ؟ " فقال له : " إني - والله - أخير نفسي بين الجنة والنار ، والله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قطعت وحرقت " . ثم ضرب فرسه ، فلحق بالحسين ، فقال له : " جعلني الله فداك يا ابن رسول الله ، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع ، وسايرتك في الطريق ، وجعجعت بك في هذا المكان ، ووالله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبدا ولا يبلغون منك هذه المنزلة فقلت في نفسي لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم ولا يرون أني خرجت من طاعتهم ، وأما هم فسيقبلون من الحسين بعض هذه الخصال التي يعرض عليهم ، ووالله لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك وإني قد جئتك تائباً مما كان مني إلى ربي مواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك أفترى ذلك لي توبة ؟ " قال : نعم ، يتوب الله عليك ويغفر لك .
قال : فتقدم الحر ، ثم قال : " أيها الأمير ، ألا تقبلون من الحسين خصلة من هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه وقتاله ؟ " فقال له عمر : " قد حرصت ، لو وجدت إلى ذلك سبيلاً فعلت " فقال : " يا أهل الكوفة ، لأمكم الهبل دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلو أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه أمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل ناحية ، فمنعتموه التوجه في بلاد الله العريضة ، حتى يأمن ويأمن أهل بيته ، فأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضرا ومنعتموه ومن معه من ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والنصراني والمجوسي ، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه ، وهاهم قد صرعهم العطش بئس ما خلفتم محمداً في ذريته لا أسقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عن ما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه " فرموه بالنبل ، فرجع حتى وقف أمام الحسين .
وزحف عمر بن سعد ، ثم نادى : " يا ذويد ، أذن رايتك " ثم رمى بسهم وقال : اشهدوا أني أول من رمى بسهم . . ثم ارتمى الناس .