كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)
"""""" صفحة رقم 286 """"""
وحمل الناس عليهم من كل جانب ، فحمل عبد الله بن قطبة الطائي على عون بن عبد الله بن جعفر فقتله ، وحمل القاسم بن الحسن بن علي فحمل عليه عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي ، فضرب رأسه بالسيف فوقع القاسم إلى الأرض لوجهه ، وقال : يا عماه فانقض الحسين إليه كالصقر ، ثم شد شدة ليث أغضب ، فضرب عمراً بالسيف ، فاتقاه بالساعد ، فقطع يده من المرفق ، فصاح ، وحملت خيل الكوفة ليستنقذوا عمراً ، فاستقبلته بصدورها ، وجالت عليه بفرسانها ، فوطئته حتى مات ، وانجلت الغبرة والحسين قائم على رأس القاسم وهو يفحص برجليه ، والحسين يقول : " بعداً لقوم قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك " ثم قال : " عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك ، وأن يجيبك فلا ينفعك صوتٌ والله كثر واتره وقل ناصره " ثم احتمله على صدره حتى القاه مع ابنه علي ومن قتل من أهل بيته .
قال : ومكث الحسين طويلاً من النهار ، كلما انتهى إليه رجل من الناس انصرف عنه وكره أن يتولى قتله وعظيم إثمه ، فأتاه رجل من كندة يقال له " مالك بن النسير " فضربه على رأسه بالسيف ، فقطع البرنس ، وأدمى رأسه ، وامتلأ البرنس دماً ، فقال له الحسين : " لا أكلت بها ولا شربت وحشرك الله مع القوم الظالمين " وألقى ذلك البرنس ، ثم دعا بقلنسوة فلبسها واعتم ، وجاء الكندي فأخذ البرنس وكان من خز ، فقدم به على امرأته ، وأقبل يغسله من الدم ، فقالت له : " أسلب ابن بنت رسول الله يدخل بيتي ؟ أخرجه عني " فلم يزل ذلك الرجل فقيراً بشرٍ حتى مات .
قال : ودعا الحسين بابنه عبد الله وهو صغير ، فأجلسه لفي حجره فرماه رجل من بني أسد بسهم فذبحه ، فأخذ الحسين دمه بيده فصبه بالأرض ، ثم قال : " اللهم ربي إن كنت حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير ، وانتقم من هؤلاء الظالمين " ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا البكر بن الحسين بسهم فقتله ، وقتل إخوة الحسين وهم العباس وعبد الله وجعفر وعثمان .
قال : واشتد عطش الحسين ، فدنا من الفرات ليشرب فقال رجل من بني أبان بن درام : " ويلكم حولوا بينه وبين الماء " ، وضرب فرسه ، واتبعه الناس حتى حال بينه وبين الفرات ، فقال الحسين : اللهم أظمئه وانتزع الأبانى سهماً فأثبته في حنك الحسين ،