كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)

"""""" صفحة رقم 287 """"""
فانتزع الحسين السهم ، ثم بسط كفيه فامتلأ دماً ، فقال اللهم إني أشكو إليكما يفعل بابن بنت نبيك ، اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ، ولا تبق منهم أحداً ، وقيل أن الذي رماه حصينا بن نمير ، قال : فما مكث الذي رماه إلا يسيراً ، ثم صب الله عليه الظمأ فجعل لا يروى ، والماء يبرد له فيه السكر ، وعساسٌ فيها لبن ، وقلال فيها الماء ، وإنه ليقول : ويلكم ، اسقوني ، قتلني الظمأ ، فيعطى القلة والعس فيشربه ، فما لبث إلا يسيراً حتى انقد بطنه انقداد بطن البعير . قال : ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في نحو عشرة من رجاله أهل الكوفة قبل منزل الحسين الذي فيه أهله وعياله ، فمشى نحوهم فحالوا بينه وبين رحله ، فقال : ويلكم ، إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا في دنياكم أحراراً ذوي أحساب ، امنعوا رحلي وأهلي من طعامكم وجهالكم . قال شمر : ذلك لك يا ابن فاطمة ، وأقدم شمر عليه بالرجالة منهم أبو الجنوب عبد الرحمن الجعفي ، وصالح بن وهب اليزني ، وسنان بن أنس النخعي ، وخولى بن يزيد الأصبحي ، وجعل شمر يحرضهم على الحسين ، وهو يحمل عليهم فينكشفون عنه ، ثم أحاطوا به ، وأقبل إلى الحسين غلام من أهله ، فأخذته زينب بنت علي لتحبسه ، فأبى الغلام ، وجاء يشتد حتى قام إلى جنب الحسين ، وقد أهوى ابن كعب بن عبيد الله " من بني تيم الله بن ثعلبة " إلى الحسين بالسيف ، فقال له الغلام : يا ابن الخبيثة أتقتل عمي ؟ فضربه بالسيف فاتقاه الغلام بيده ، فأطنها إلى الجلدة ، فنادى الغلام : يا أمتاه ، فضمه الحسين إليه وقال : " يا ابن أخي اصبر على ما نزل بك ، واحتسب في ذلك الخير ، فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين ، برسول الله صلى عليه وسلم ، وعلى حمزة وجعفر والحسن " ثم قال الحسين : " اللهم أمسك عنهم قطر السماء ، وامنعهم بركات الأرض ، اللهم فإن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقا ، واجعلهم طرائق قددا ، ولاترضي عنهم الولاة أبدا ، فإنهم دعونا لينصرونا ، فعدوا علينا فقتلونا " ثم ضارب الرجالة حتى انكشفوا عنهم .

الصفحة 287