كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)

"""""" صفحة رقم 291 """"""
قال : وسرح عمر برأس الحسين من يومه ذلك مع خولي بن يزيد وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد ، فأقبل به خولي فوجد باب القصر مغلقاً ، فأتى منزله فوضعه تحت إجانة في الدار ، ثم دخل البيت فأوى إلى فراشه ، فقالت له امرأته وهي النوار بنت مالك الحضرمية : ما الخبر ؟ قال : جئتك بغنى الدهر ، هذا رأس الحسين معك في الدار ، قالت : قلت ويلك جاء الناس بالذهب والفضة وجئت برأس ابن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، والله لا يجمع رأسي ورأسك بيت أبداً ، قالت : فقمت من فراشي فخرجت وجلست أنظر ، فو الله ما زلت أنظر إلى نور يسطع مثل العمود من السماء إلى الإجانة ، ورأيت طيراً بيضاً ترفرف عليها ، فلما أصبح غدا بالرأس إلى عبيد الله بن زياد .
وقيل : بل الذي حمل الرأس شمر بن ذي الجوشن ، وقيس ابن الأشعث ، وعمرو بن بن الحجاج ، وعزرة بن قيس ، فجلس بن زياد ، وأذن للناس فأحضرت الرؤوس بين يديه ، فجعل ينكت بقضيب بين ثنيتي الحسين ، فلما رآه زيد بن أرقم لا يرفع قضيبه ، قال له : اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين ، فو الله الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على هاتين الشفتين يقبلهما ثم بكى ، فقال له ابن زياد : أبكى الله عينيك ، فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك . فخرج وهو يقول : أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم ، قتلتم ابن فاطمة أمرتم ابن مرجاتة ، فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم ، فرضيتم بالذل فبعداً لمن رضي بالذل قال : وأقام عمر بن سعد يومه هذا والغد ، ثم أذن في الناس بالرحيل إلى الكوفة ، وحمل معه بنات الحسين وأخواته ، ومن كان معه من الصبيان ، لاوعلي بن الحسين مريض ، فاجتازوا به على الحسين وأصحابه صرعى ، فصاح النساء ولطمن الخدود ، وصاحت زينب أخته : " يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء ، هذا حسين بالعراء مرمل بالدماء مقطع الأعضاء يا محمداه وبناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفى عليها الصبى " فأبكت كل عدوٍ وصديق .

الصفحة 291