كتاب كنز الدرر وجامع الغرر (اسم الجزء: 9)

ثمّ انتقل عن تلك الطريقة إلى أغرب من الاثنتين، وضرب ضربا ما سمعت مثله قطّ، ثمّ غنّى <من الطويل>:
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد … فقد زادنى مسراك وجدا على وجد
أإن هتفت ورقاء فى رونق الضحى … على فنن (4) غضّ النبات من الرّند
بكيت كما يبكى الوليد صبابة … وذبت من الحزن المبرّح والجهد
وقد زعموا أن المحبّ إذا دنا … يملّ وأنّ النأى يشفى من الوجد
بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا … على أنّ قرب الدار خير من البعد
قال: فصرخت صرخة أعظم من الأولى وغمى علىّ من شدّة الطرب، ففتحت عينى فلم أنظر أحدا (9)، وأجد جوارىّ حولى فقلت: ويلكنّ، الشيخ. -فقلن: أىّ الشيوخ؟ ما رأينا أحدا (10). وإنّما سمعنا عندك اليوم ما لم نسمعه قطّ، ودخلنا عليك لمّا سمعنا صرختك. فلم نجد عندك أحدا (11). - فقلت: علىّ بالبوّاب! -فأدخل علىّ. فقلت: ويلك، الشيخ الذى أدخلته علىّ ما فعل؟ -فقال: والله لم يدخل عليك اليوم من أحد. -قال:
فتحيّرت فى أمرى، وإذا أنا بقايل يقول، ولم أنظر له شخصا (14): يا لكاع، إنّ نديمك منذ اليوم الشيخ أبو (15) مرّة فلا ترتاع. -فقلت: بالله ألا ما ألقيت علىّ الأصوات. -فقال: قد ألقيتهم فى محفوظك (16) حتى عادوا أرسخ من الحجر. -قال: فأخذت العود وضربت. فإذا أنا صايب فى جميع الأصوات الثلاثة
_________
(4) فنن: غصن
(9) أحدا: احد
(10) أحدا: أحد
(11) أحدا: احد
(14) شخصا: شخص
(15) أبو: ابا
(16) محفوظك: محفوضك

الصفحة 334