كتاب نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار (اسم الجزء: 9)
ودُبِرَ دَبِرًا فهو دَبِر ودَابر والأتن دَبِرَةٌ ودَبْراء، وإبل دَبْراء وقد أَدْبَرَهَا الحمل، يريدون: أن الإِبل كانت تدبر بالسير عليها إلى الحج، قلت: بابه من باب عَلِمَ يَعْلَمُ، قال عياض هو أن تقرح خف البعير.
قوله: "وعفى الأثر" أي درس أثر الحاج في الطريق وانمحى بعد رجوعهم بوقوع الأمطار وغيرها بطول مرور الأيام، قال الخطابي: وعفى الأثر أي أثر الدبر المذكور، وفي رواية لأبي داود (¬1): "وعفى الوبر" يعني أثر وبر الإِبل الذي حلقه رحال الحاج، وعفى من الأضداد ويكون معناه بمعنى كثر قال: تعالى: {حَتَّى عَفَوْا} (¬2): أي كثروا، وقال الخطابي في عفى الدبر: أي طَرَّ وكثر.
قوله: "صبيحة رابعة" أي ليلة رابعة.
قوله: "وهم ملبون بالحج" جملة حالية، وفيه دليل على أنهم كانوا مفردين بالحج، ومن فوائد هذا الحديث: استحباب الدخول في مكة نهارًا وكان ابن عمر يستحب دخولها نهارًا لذلك، وإليه ذهب عطاء والنخعي وابن راهويه وابن مندة والشافعي في أصح الوجهين.
وفي الوجه الآخر: دخولها ليلاً ونهارًا سواء، لا أفضلية لأحدهما على الآخر، وهو قول طاوس والثوري.
وعن عائشة -رضي الله عنها-: دخولها ليلاً أفضل من النهار، وإليه ذهب سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز.
ص: فإن قال قائل: فقد ثبت بهذا عن ابن عباس: أن إحرام رسول الله -عليه السلام- إنما كان بحجة مفردة، فقد خالف هذا ما رويتم عنه من تمتع رسول الله -عليه السلام- وقرانه.
قيل له: ما في هذا خلاف لذلك؛ لأنه قد يجوز أن يكون إحرامه أولاً كان بحجة حتى قدم مكة ففسخ ذلك بعمرة، ثم فلم تتضاد على أنها عمرة وقد عزم أن يحرم
¬__________
(¬1) "سنن أبي داود" (2/ 204 رقم 1987).
(¬2) سورة الأعراف، آية: [95].