أرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: نَهَرَانِ ظَاهِرَانِ، وَنَهَرَانِ بَاطِنَانِ، فَأَمَّا الظَّاهِرَانِ: النِّيلُ وَالْفُراتُ، وَأَمَّا البَاطِنَانِ: فَنَهَرَانِ فِي الْجَنَّةِ، فَأُتِيتُ بِثَلاَثَةِ أَقْدَاحٍ: قَدَحٌ فِيهِ لَبَنٌ، وَقَدحٌ فِيهِ عَسَلٌ، وَقَدَحٌ فِيهِ خَمْرٌ، فَأَخَذْتُ الَّذِي فِيهِ اللَّبَنُ، فَشَرِبْتُ، فَقِيلَ لِي: أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ".
(وأُتيت بثلاثة أقداح: قدحٌ فيه لبن، وقدح فيه عسل، وقدح فيه خمر، فأخذت الذي فيه اللبنُ): قال ابن المنير: الأشهرُ في الحديث أنه أُتي بإناءين: لبنٍ، وخمرٍ، وهذا أيضاً صحيح، ولكن لم يذكر السرَّ في عُدولِه عن العسل، وذكرَ السرَّ في (¬1) عُدولِه عن الخمر، فظاهرُ الحال أن السرَّ في (¬2) ذلك تفضيلُ اللبن على العسل؛ لأنه الأيسرُ (¬3) والأنفعُ، ومنه نَشَزَ العَظْمُ، ونَبَتَ اللحمُ، وهو بمجرده (¬4) قوتٌ، وليس هو أيضاً من الطيبات التي تدخل في السَّرَفِ بوجهٍ، وهو أقربُ إلى الزُّهد، فكأنه - عليه الصلاة والسلام - مع تركِه للخمر التي حُرِّمَتْ، تركَ العسلَ الذي هو حلالٌ؛ لأنه من اللذائذ التي يُخشى على صاحبها أن يندرجَ في قوله تعالى: {أذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} [الأحقاف: 20]، ولهذا رفع عمر - رضي الله عنه - شربةَ عسلٍ إلى فيه، ثم رَدَّها، وتلا الآية، وأما اللبنُ، فلا شُبهة فيه، ولا مُنافاةَ بينه وبين الوَرَعِ بوجهٍ.
¬__________
(¬1) "في" ليست في "ع".
(¬2) "في" ليست في "ج".
(¬3) في "ع": "لأنه أيسر".
(¬4) في "ج": "بمجرد".