كتاب تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (اسم الجزء: 9)

المنزع الصوفى الفلسفى ابن عربى المرسى الأندلسى الناشئ بإشبيلية والمتوفى بدمشق سنة 638 هـ‍/1240 م وهو من أئمة هذا المنزع، وظل فى تونس فترة ألف فيها كتابه: «الدوائر الإحاطية فى مضاهاة الإنسان» ونظن ظنا أنه خلّف بتونس بعض مريديه المعجبين به وبمنزعه.
ومن المؤكد أن هذا المنزع الصوفى الفلسفى لم يكتب له الشيوع والانتشار فى تونس، إنما الذى كتب له ذلك المنزع الصوفى السنى الذى لا يؤمن أصحابه بحلول الذات العلية فى جزئيات الكون ولا باتحادها معها أو مع الإنسان ولا بالفناء فى الذات الربانية، فحسبهم محبة الله وذكره وتسبيحه، وقد قام على هذا المنزع فى القرن الخامس عبد الكريم القشيرى المتوفى سنة 465 هـ‍/1072 م والإمام الغزالى المتوفى سنة 505 هـ‍/1112 م وسرعان ما أخذت الطرق الصوفية السنّية فى الظهور أثناء القرن السادس الهجرى، ومن أهمها طريقتان: القادرية نسبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلانى مولدا الحسينى نسبا نزيل بغداد المتوفى سنة 561 هـ‍/1165 م والطريقة الأحمدية أو الرفاعية نسبة إلى الشيخ أحمد الرفاعى البغدادى المتوفى سنة 578 هـ‍/1183 م. ورحّبت البلاد الإسلامية بهاتين الطريقتين، وأخذت تضيف إليها طرقا صوفية سنية جديدة، وتجرّد شيخ تونسى هو الشاذلى أبو الحسن على بن عبد الله الحسينى المنسوب إلى بلدة شاذلة بالقرب من مدينة تونس المولود سنة 593 هـ‍/1197 م لإنشاء طريقة صوفية سنية، بجانب الطرق التى عمت وشاعت فى البلدان العربية، وأخذ يحاول نشرها فى تونس، وتبعه مريدون كثيرون رجالا ونساء، منهم على القرجانى وحسن السيجومى وللاّ (السيدة عائشة المنوبية) المتوفاة سنة 665 هـ‍/1267 م وهى من قرية منّوبة غربىّ مدينة تونس ولها زاوية كبيرة، ولبعض النساء ببلدتها اعتقاد فيها، ولذلك يزرنها ويتوسلن بها لحاجاتهن: حمل وغيره.
وفى تونس تعرّف بتلميذه أبى العباس المرسى، وصحبه مع جمع من مريديه إلى الإسكندرية سنة 642 هـ‍/1244 م وسرعان ما أصبحت طريقته أهم الطرق الصوفية السنية بمصر. وظلت طريقته حية بتونس مع طريقة القادرية السابقة لها، ومع طرق أخرى وفدت على تونس من المغربين الأوسط والأقصى مثل طريقة التجانى والطريقة العروسية للشيخ أحمد بن عروس المتوفى سنة 868 هـ‍/1463 م وله فى تونس زاوية كبيرة.
وقد تكاثرت زوايا المتصوفة فى تونس والأقطار المغربية كثرة مفرطة، وتحولت فى الحقب المتأخرة إلى ما يشبه تكايا ينزلها مع الدراويش الجوالين كثير من المشعوذين الدجالين، وكان منهم من يدعى لنفسه الكرامات وأنه من أولياء الله، والله براء منه لانحرافه عن جادة الدين والتصوف السنى الحقيقى.

الصفحة 165