كتاب تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (اسم الجزء: 9)

ونلتقى بأبى عبد الله محمد بن يوسف التاريخى القيروانى نزيل الأندلس المتوفى سنة 363 فى عصر المستنصر الأموى، وله كتاب عن مسالك إفريقيا وممالكها انتفع به أبو عبيد البكرى فى كتابه «المسالك والممالك»، ويظل القيروان عصر الدولة الصنهاجية، وكل كتب القيروان العلمية النفيسة ترجمها القسيس قسطنطين سالف الذكر فى أثناء رياسته لكلية ساليرنو ولدير جبل كاسينو، ولم يكد يترك كتابا علميا مهما لعلماء القيروان من أمثال إسحاق بن عمران وابن الجزار إلا ترجمه هو ورهبان هذا الدير. وانتقلت ترجماته إلى العالم الغربى منذ القرن الحادى عشر الميلادى إذ توفى سنة 480 هـ‍/1087 م وكان لتلك الترجمات، كما مرّ بنا، أثر بعيد فى النهضة العلمية الأوربية. وكان يعاصر الرياضى الفلكى الجزائرى ابن أبى الرجال رياضىّ قيروانى، هو عبد المنعم بن محمد الكندى القيروانى المتوفى سنة 466 هـ‍/1073 م وكان إماما فى الرياضيات حاذقا فى فك الأشكال الهندسية لأقليدس. ومرّ بنا-منذ قليل-أن الأمير على بن يحيى الصنهاجى (509 - 515 هـ‍) أنشأ مدرسة للكيمياء فى عاصمته المهدية، وقد أشرف عليها كيميائى أندلسى كبير، هو أمية بن أبى الصلت، ولم تدم بعد وفاته طويلا، غير أنها تدل على ما ظلّ بالمهدية والقيروان من روح علمية حتى مطلع القرن السادس الهجرى.
ونلتقى فى أوائل عهد الدولة الحفصية بعالم تونسى موسوعى كبير هو التيفاشى الكيميائى أحمد بن يوسف المولود بقفصة التونسية سنة 580 هـ‍/1184 م وقد ولاه أبو زكريا خطة القضاء ببلدة قفصة وله رحلات كبيرة إلى الشام والعراق وإيران وأيضا مصر واستقرّ بها حتى توفى بعد سنة 660 هـ‍/1261 م وكان قد تعمق كل فروع الثقافة الإسلامية كما تعمق علوم الأوائل، ورأى أن يضع للدارسين فى وطنه والأوطان العربية موسوعة تضم كل العلوم والفنون والتاريخ، وجعلها فى أربعين كتابا، وأفرد منها كتبا للطب والطبيعة ومظاهرها وكل ما فيها من نبات وحيوان ومعادن، وفى كل فرع من علم يذكر ما فيه لليونان والفرس وغيرهما من العجم والعرب، ومن كتب هذه الموسوعة كتاب أزهار الأفكار فى جواهر الأحجار وهو فى علم المعادن، وقد نشر فى هولانده بالقرن الماضى مع ترجمة لاتينية، وحققه فى مصر الدكتور محمد يوسف حسن ونشره مع مقدمة تحليلية. وله كتاب عن الغناء والموسيقى وآلات الطرب سماه: «متعة الأسماع فى علم السماع»، وفيه تحدث عن تاريخ الموسيقى عند العرب وفى إفريقية التونسية وفى الأندلس على مر العصور حتى زمنه، وهو طرفة نفيسة، ونلتقى فى عهد المستنصر بطبيبه:
ابن أندراس محمد بن أحمد المتوفى سنة 674 هـ‍/1276 م وكانت له مشاركة فى الرياضيات والمعقولات، ويشتهر حينئذ آل الصقلى الزيات بالطب وابن الكماد الرياضى بوضعه الجداول الفلكية قبل سنة 679 هـ‍/1281 م. وكان يلمع من حين إلى حين عالم بعلوم الأوائل وخاصة فى مجال الطب لحاجة الناس والبيمارستانات إليه، ونضرب مثلا لهم عبد السلام بن ابراهيم الزيات الصقلى المتوفى سنة 722 هـ‍/1323 م وقد ألف ابنه أحمد المتوفى سنة 820 هـ‍/1417 م للسلطان

الصفحة 178