كتاب المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (اسم الجزء: 9)
القول الثالث:
القول بالتفصيل: إن كانت العين المؤجرة أو المبيعة تستعمل للمعصية بعينها فإن العقد محرم، وإن كانت العين لا تستعمل للمعصية بعينها، وإنما بفعل المستأجر لم يحرم العقد.
فبيع العنب لمن يعصره خمرًا حلال؛ لأنّ العنب نفسه لا معصية فيه، وإنما المعصية بفعل المستأجر.
ومثله يجوز بيع الحديد في زمن الفتنة لمن يصنعه سلاحًا لقتل مظلوم.
وأما بيع السلاح لمن يقتل به ظلمًا فلا يجوز؛ لأنّ المعصية تستعمل بعين السلاح.
وعليه فقد اختار أبو حنيفة أن الشخص لو آجر نفسه ليعمل في بناء كنيسة، أو ليحمل خمر الذمي بنفسه، أو على دابته، أو ليرعى له الخنازير، أو آجر بيتًا ليتخذ بيت نار (معبد مجوسي)، أو كنيسة أو بيعة (¬١)، أو يباع فيه الخمر، جاز له
---------------
= تحقق اتخاذه لذلك خمرًا ونبيذاً، وأنه يعصي بهذا السلاح، ففي تحريمه وجهان حكاهما ابن الصباغ والمتولي والبغوي في شرح المختصر والروياني وغيرهم.
أحدهما: نقله الروياني والمتولي عن أكثر الأصحاب: يكره كراهة شديدة، ولا يحرم.
وأصحهما: يحرم، وبه قطع الشيخ أبو حامد، والغزالي في الإحياء، وغيرهما من الأصحاب، فلو باعه صح على الوجهين، وإن كان مرتكبًا للكراهة أو التحريم، قال الغزالي في الإحياء: وبيع الغلمان المرد الحسان لمن عرف بالفجور بالغلمان، كبيع العنب للخمار، قال: وكذا كل تصرف يفضي إلى معصية".
(¬١) يشترط الحنفية أن يكون ذلك في أرض السواد؛ لأنّ إحداث الكنائس في أمصار المسلمين ممنوع، ولكل مسلم أن يمنعه كما يمنعه رب الدار. بل يمنع من إحداث ذلك في دار نفسه في أمصار المسلمين.
انظر المبسوط (١٥/ ١٣٤)، بدائع الصنائع (٤/ ١٧٦).