كتاب موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (اسم الجزء: 9)

في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ في بأمر يتلى، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول اللَّه على في النوم رؤيا يبرئني اللَّه بها, قالت: فواللَّه ما رام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ على نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخذه ما كان يأخذه من البُرحاء (¬1) عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشات، من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فلما سُري عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: (أبشري يا عائشة أما اللَّه فقد برأك) فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: واللَّه لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا اللَّه، هو الذي أنزل براءتي، قالت: فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ}، عشر آيات فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هؤلاء الآيات براءتي. . . " الحديث متفق عليه (¬2).Rالمسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.
وقبل ختام المسألة ثمة تنبيهان: الأول: بعض أهل العلم كابن العربي حكى عن الشافعية قولًا حاصله أن من قذف عائشة رضي اللَّه عنها بالزنا فإنه لا يكفر، وهذا فيه نظر، وإنما الذي حكاه بعض الشافعية قولان هما في مسألة من سب عائشة رضي اللَّه عنها, لا في مسألة القذف، وثمة فرق بين القذف والسب (¬3).
الثاني: لم أعتبر الخلاف الصادر من أهل البدع، فإن الشيعة يرون قذف
¬__________
(¬1) البُرحاء: هو الحمى، وقيل: شدة الحر، وهو في الأصل الشدة من كل كرب وبلاء. انظر: تهذيب اللغة (5/ 20)، فتح الباري (8/ 476).
(¬2) أخرجه البخاري رقم (2518)، ومسلم رقم (2770).
(¬3) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (3/ 366)، تفسير القرطبي (12/ 205).

الصفحة 640