كتاب موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (اسم الجزء: 9)

والحنابلة (¬1).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن الحكمة من حد القذف هو ما يُحدثه القاذف من إلحاق العار بالمقذوف، والأصل أن الميت ليس بمحل لإلحاق العار به، فلم يكن معنى القذف راجعًا إليه بل إلى فروعه وأصوله؛ لأنه يلحقهم العار بقذف ميتهم، والأصول والفروع هم جزء من هذا الميت، فالعار لاحق بهم لوجود الجزئية والبعضية، فشُرع لهم المطالبة بالقذف لدفع العار عنهم (¬2).
• المخالفون للإجماع: ذهب طائفة إلى أن من قذف ميتًا فلا حد عليه، وليس لوارثه المطالبة بالحد. وهو وجه عند الحنابلة (¬3).
¬__________
(¬1) انظر: الشرح الكبير (10/ 230)، الفروع (6/ 94).
(¬2) انظر: بدائع الصنائع (7/ 55).
(¬3) انظر: المغني (9/ 86)، الفروع (6/ 94).
وقد نسب ابن قدامة في "المغني" (9/ 86)، والماوردي في "الأحكام السلطانية" (286) وغيرهما إلى الحنفية القول بأن قذف الميت لا يوجب الحد، وهذا فيه نظر من وجهين:
الأول: أن الحنفية ينصون في كتبهم على أن من قذف ميتًا وجب عليه الحد، لكنهم يخصون المطالبة بالولد وإن نزل، وبالوالد وإن علا، وقد سبق كلام الكاساني عند ذِكر من نقل الإجماع في المسألة، ولم أجد -بعد البحث- في شيء من كتبهم- القول بأن قذف الميت لا يوجب الحد. الثاني: أن جمع من أهل العلم المحققين نسبوا إلى أبي حنيفة القول بمطالبة الورثة للحد، منهم الإمام الشافعي في "الأم" (7/ 16) حيث قال: "إذا قذف الرجل رجلًا ميتًا فإن أبا حنيفة رحمه اللَّه تعالى كان يقول: لا يأخذ بعد الميت إلا الولد أو الوالد".
والذي ذهب إليه الحنفية من سقوط حد الميت هو في مسألة ما إذا قذف حيًا ثم مات المقذوف قبل المطالبة بالحد، فإنه يسقط الحد حينئذ، وليس لأحد من الورثة وغيرهم المطالبة بالحد، وهذه المسألة هي محل خلاف آخر فالحنابلة موافقون للحنفية في ذلك.
فلعل من حكى عن الحنفية سقوط الحد بقذف الميت غفَل عن هذا التفصيل، واللَّه تعالى أعلم. انظر: المبسوط (9/ 112)، العناية شرح الهداية (5/ 322)، تبيين الحقائق (3/ 202)، المغني (8/ 50).

الصفحة 653