كتاب السنن (المعروف بالسنن الكبرى) للنسائي - ط التأصيل (اسم الجزء: 9)

وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى دَوْحَةٍ عَظِيمَةٍ, لَمْ أَرَ دَوْحَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلا أَحْسَنَ، قَالا لِي: ارْقَ فِيهَا، فَارْتَقَيْنَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنٍ ذَهَبٍ وَلَبِنٍ فِضَّةٍ، فَأَتَيْنَا بَابَ المَدِينَةِ، فَاسْتَفْتَحْنَا، فَفُتِحَ لَنَا، فَدَخَلْنَاهَا، فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ, شَطْرٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، قَالا لَهُمْ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ، وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي، كَأَنَّ مَاءَهُ المَحْضُ فِي البَيَاضِ، فَذَهَبُوا, فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنهُمْ، وَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قُلْتُ لَهُمَا: بَارَكَ اللهُ فِيكُمَا، ذَرَانِي فَأَدْخُلَهُ، قَالا لِي: أَمَّا الآنَ فَلا، وَأَنْتَ دَاخِلُهُ، قُلْتُ لَهُمَا: فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا، فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟ قَالا لِي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ: أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ، فَهُوَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ القُرْآنَ, وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمِنْخَرُهُ إِلَى قَفَاهُ، ذَاكَ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ, فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ، وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ التَّنُّورِ، فَهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ يَسْبَحُ وَيُلْقَمُ الحِجَارَةَ فَاهُ، فَهُوَ آكِلُ الرِّبَا، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي عِنْدَ البَابِ كَرِيهُ المَرْأَى (1)، فَهُوَ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ الطَّوِيلُ، فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ، وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ, فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ، فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْلادُ المُشْرِكِينَ؟ قَالَ: وَأَوْلادُ المُشْرِكِينَ، وَأَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانَ شَطْرٌ مِنْهُمُ قَبِيحٌ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا, وَآخَرَ سَيِّئًا، فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنهُمْ.
كمل كتاب التعبير, والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
_حاشية__________
(1) في طبعة الرسالة: «المرآة».

الصفحة 431