كتاب البداية والنهاية ط الفكر (اسم الجزء: 9)

طَيِّبَةٌ أَرْضُهَا مُبَارَكَةٌ ... بِالْيُمْنِ وَالسَّعْدِ أَخْذُ طَالِعِهَا
جَامِعُهَا جَامِعُ الْمَحَاسِنِ قَدْ ... فَاقَتْ بِهِ الْمُدْنَ فِي جَوَامِعِهَا
بَنِيَّةٌ بِالْإِتْقَانِ قَدْ وُضِعَتْ ... لَا ضَيَّعَ اللَّهُ سَعْيَ وَاضِعِهَا
تُذْكَرُ فِي فَضْلِهِ ورفعته ... آثار صِدْقٍ رَاقَتْ لِسَامِعِهَا
قَدْ كَانَ قَبْلَ الْحَرِيقِ مدهشة ... فغيرت ناره بلاقعها
فَأَذْهَبَتْ بِالْحَرِيقِ بَهْجَتَهُ ... فَلَيْسَ يُرْجَى إِيَابُ رَاجِعِهَا
إِذَا تَفَكَّرْتَ فِي الْفُصُوصِ وَمَا ... فِيهَا تَيَقَّنْتَ حِذْقَ رَاصِعِهَا
أَشْجَارُهَا لَا تَزَالُ مُثْمِرَةً ... لَا ترهب الرِّيحُ مِنْ مَدَافِعِهَا
كَأَنَّهَا مِنْ زُمُرُّدٍ غُرِسَتْ ... في أرض تبر تغشى بنافعها
فِيهَا ثِمَارٌ تَخَالُهَا يَنَعَتْ ... وَلَيْسَ يُخْشَى فَسَادُ يانعها
تقطف باللحظ لا بجارحة ... الأيدي ولا تجتنى لبايعها
وَتَحْتَهَا مِنْ رُخَامِهِ قِطَعٌ ... لَا قَطَّعَ اللَّهُ كَفَّ قَاطِعِهَا
أَحْكَمَ تَرْخِيمَهَا الْمُرَخِّمُ قَدْ ... بَانَ عَلَيْهَا إِحْكَامُ صَانِعِهَا
وَإِنْ تَفَكَّرْتَ فِي قَنَاطِرِهِ ... وَسَقْفِهِ بَانَ حِذْقُ رَافِعِهَا
وَإِنْ تَبَيَّنْتَ حُسْنَ قُبَّتِهِ ... تَحَيَّرَ اللُّبُّ فِي أَضَالِعِهَا
تَخْتَرِقُ الرِّيحُ في منافذها ... عَصْفًا فَتَقْوَى عَلَى زَعَازِعِهَا
وَأَرْضُهُ بِالرُّخَامِ قَدْ فُرِشَتْ ... يَنْفَسِحُ الطَّرْفُ فِي مَوَاضِعِهَا
مَجَالِسُ الْعِلْمِ فيه مؤنقة ... يَنْشَرِحُ الصَّدْرُ فِي مَجَامِعِهَا
وَكُلُّ بَابٍ عَلَيْهِ مَطْهَرَةٌ ... قَدْ أَمِنَ النَّاسُ دَفْعَ مَانِعِهَا
يَرْتَفِقُ الناس مِنْ مَرَافِقِهَا ... وَلَا يَصُدُّونَ عَنْ مَنَافِعِهَا
وَلَا تَزَالُ الْمِيَاهُ جَارِيَةً ... فِيهَا لِمَا شُقَّ مِنْ مشارعها
وسوقها لا تزال آهلة ... يزدحم الناس في شوارعها
لما يشاؤن مِنْ فَوَاكِهِهَا ... وَمَا يُرِيدُونَ مِنْ بَضَائِعِهَا
كَأَنَّهَا جنة معجلة ... في الأرض لولا مسرى فَجَائِعِهَا
دَامَتْ بِرَغْمِ الْعِدَى مُسَلَّمَةً ... وَحَاطَهَا اللَّهُ من قوارعها

الصفحة 153

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text