كتاب البداية والنهاية ط الفكر (اسم الجزء: 9)

كَثِيرٌ، مِمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ كَرَامَتَهُ بِالشَّهَادَةِ، وَقَدْ بَرَزَ بَعْضُ شُجْعَانِ الْمُسْلِمِينَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ شُجْعَانِ الترك فقتلهم، فناداه منادى خاقان: إن صرت إلينا جعلناك ممن يرقص الصَّنَمَ الْأَعْظَمَ فَنَعْبُدُكَ. فَقَالَ:
وَيْحَكُمْ، إِنَّمَا أُقَاتِلُكُمْ عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ. ثُمَّ تَنَاخَى الْمُسْلِمُونَ وَتَدَاعَتِ الْأَبْطَالُ وَالشُّجْعَانُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَصَبَرُوا وَصَابَرُوا، وَحَمَلُوا عَلَى التُّرْكِ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ عَطَفَتِ التُّرْكُ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَلْقًا حَتَّى لَمْ يَبْقَ سِوَى أَلْفَيْنِ، فَإِنَّا للَّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ سَوْدَةُ بْنُ أَبْجَرَ وَاسْتَأْسَرُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً فَحَمَلُوهُمْ إِلَى الْمَلِكِ خَاقَانَ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ عَنْ آخِرِهِمْ، فَإِنَّا للَّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَهَذِهِ الْوَقْعَةُ يُقَالُ لَهَا وَقْعَةُ الشِّعْبِ. وَقَدْ بَسَطَهَا ابْنُ جَرِيرٍ جَدًّا.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ الْكِنْدِيُّ
أَبُو الْمِقْدَامِ، وَيُقَالُ أَبُو نَصْرٍ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، كَبِيرُ الْقَدْرِ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ عَادِلٌ، وَزِيرُ صِدْقٍ لِخُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ مَكْحُولٌ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: سَلُوا شَيْخَنَا وَسَيِّدَنَا رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَوَثَّقُوهُ فِي الرِّوَايَةِ، وَلَهُ رِوَايَاتٌ وَكَلَامٌ حَسَنٌ رَحِمَهُ اللَّهُ.
شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيُّ الْحِمْصِيُّ
وَيُقَالُ إِنَّهُ دِمَشْقِيٌّ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ مَوْلَاتِهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ وَغَيْرِهَا، وَحَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ عَالِمًا عَابِدًا نَاسِكًا، لَكِنْ تَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ بِسَبَبِ أَخْذِهِ خَرِيطَةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّ الْأَمْرِ، فَعَابُوهُ وتركوه عِرْضَهُ، وَتَرَكُوا حَدِيثَهُ وَأَنْشَدُوا فِيهِ الشِّعْرَ، مِنْهُمْ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ، وَيُقَالُ إِنَّهُ سَرَقَ غَيْرَهَا فاللَّه أَعْلَمُ. وَقَدْ وَثَّقَهُ جَمَاعَاتٌ آخَرُونَ وَقَبِلُوا رِوَايَتَهُ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ وَعَلَى عِبَادَتِهِ وَدِينِهِ وَاجْتِهَادِهِ، وَقَالُوا: لَا يَقْدَحُ فِي رِوَايَتِهِ مَا أَخَذَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِنْ صَحَّ عَنْهُ، وَقَدْ كَانَ وَالِيًا عَلَيْهِ مُتَصَرِّفًا فِيهِ فاللَّه أَعْلَمُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: تُوُفِّيَ شَهْرٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ- أَعْنِي سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ- وَقِيلَ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ وَقِيلَ سَنَةَ مِائَةٍ فاللَّه أَعْلَمُ
. ثُمَّ دَخَلَتْ سنة ثلاث عَشْرَةَ وَمِائَةٍ
فَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ أَرْضَ الرُّومِ مِنْ نَاحِيَةِ مَرْعَشَ، وَفِيهَا صَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ إِلَى خُرَاسَانَ وَانْتَشَرُوا فِيهَا، وَقَدْ أَخَذَ أَمِيرُهُمْ رَجُلًا مِنْهُمْ فَقَتَلَهُ وَتَوَعَّدَ غَيْرَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ. وَفِيهَا وَغَلَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي بِلَادِ التُّرْكِ فقتل منهم خلقا كثيرا، وَدَانَتْ لَهُ تِلْكَ الْمَمَالِكُ مِنْ نَاحِيَةِ بَلَنْجَرَ وأعمالها. وفيها حج بالناس إبراهيم بن هاشم المخزومي، فاللَّه أعلم. وَنُوَّابُ الْبِلَادِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:
فِيهَا كَانَ مَهْلِكُ
الْأَمِيرِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ
وَهُوَ مَعَ الْبَطَّالِ عَبْدِ اللَّهِ بِأَرْضِ الرُّومِ قُتِلَ شَهِيدًا وَهَذِهِ تَرْجَمَتُهُ

الصفحة 304

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text