كتاب شرح سنن أبي داود لابن رسلان (اسم الجزء: 9)

وكأن هؤلاء فهموا من "لا" النهي عما سئل عنه وحذف بعد قوله: "لا"، فكأنه قال: لا تعزلوا، و"عليكم أن لا تفعلوا" (¬1) تأكيد لذلك النهي. وفهمت طائفة أخرى منها الإباحة وكأنها جعلت جواب السائل قوله: "لا عليكم أن لا تفعلوا". أي: ليس عليكم جناح في أن لا تفعلوا.
قال القرطبي: هذا التأويل أولى بدليل قوله: "ما من نسمة كائنة إلا ستكون". ولقوله: "لا عليكم، إنما هو القدر". وبقوله: "إذا أراد خلق شيء لم يمنعه شيء". وهذِه الألفاظ كلها مصرحة بأن العزل لا يرد القدر ولا يضر، فكأنه قال: لا بأس. وبهذا تمسك من رأى إباحة العزل مطلقًا عن الزوجة والسرية سواء رضيا أم لا، وبهذا قال الشافعي ومالك وكثير من الصحابة والتابعين والفقهاء (¬2).
قال الرافعي والنووي وغيرهما من أصحابنا: العزل في السرية جائز عندنا بلا خلاف (¬3).
قال النووي: ما ادعياه من نفي الخلاف ليس كذلك، ففيه وجه أنه لا يجوز لحق الولد، حكاه الروياني في "البحر" قبل باب نكاح الشغار (¬4). وأما العزل عن الحرة المنكوحة ففيه طريقان: أظهرهما أنه يجوز إن رضيت لا محالة، وإلا فوجهان الجواز (¬5) أصحهما عند الغزالي
¬__________
(¬1) زاد هنا: وعليكم. والأولى حذفها كما في "المفهم".
(¬2) "المفهم" 4/ 166.
(¬3) "الشرح الكبير" 8/ 178، و"روضة الطالبين" 7/ 205.
(¬4) انظر "المجموع" 16/ 423.
(¬5) سقط من الأصل. والمثبت يقتضيه السياق؛ كما في مصادر التخريج.

الصفحة 543