كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 9)
والصَّحيحُ عِندي في ذلك قولُ من قال: {مُتَوَفِّيكَ}: قابِضُكَ من الأرضِ، لما صحَّ عن النَّبيِّ عليه السَّلامُ، من نُزُولِهِ، وإذا حُمِلت رِوايةُ عليِّ بن أبي طلحةَ عن ابنِ عبّاسٍ، على التَّقديم والتَّأخيرِ، أي: رافِعُكَ ومُميتُكَ، لم يكُن بخِلافٍ، لما ذكَرْنا.
وأمّا قولُهُ عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: ١٥٩] فقال أبو هُريرةَ وابنُ عبّاسٍ: قبلَ موتِ عيسى عليه السَّلامُ. وهُو قولُ الحسنِ وعِكرِمةَ، وأبي مالكٍ، ومُجاهِد (¬١). هذه رِوايةُ سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابنِ عبّاس (¬٢).
وروى مُجاهِدٌ، عن ابنِ عبّاسٍ: {قَبْلَ مَوْتِهِ}: قبل موتِ صاحِبِ الكِتابِ، فقيل لابنِ عبّاسٍ: وإن ضُرِبت عُنُقُهُ؟ فقال: وإن ضُرِبت عُنُقُهُ (¬٣).
وقد رُوي عن مُجاهِدٍ وعِكرِمةَ مِثلُ ذلك أيضًا (¬٤).
وروى مَعْمرٌ، عن ثابِتٍ البُنانيِّ، عن أبي رافِع، قال: رُفِعَ عيسى عليه السَّلامُ وعليه مِدْرعةٌ (¬٥) وخُفّا راع، وحذّافةٍ يحذِفُ بها الطَّير (¬٦).
وهذا لا أدري ما هُو، ويحتمِلُ أنَّهُ كانت تلكَ هيئَتَهُ ولِباسَهُ، إلى أن رُفِع، ورُفِع كيفَ شاءَ اللهُ بعدُ، وفائدةُ هذا الخبرِ، رفعُهُ حيًّا لا غيرُ، واللّه أعلمُ.
---------------
(¬١) انظر: تفسير الطبري ٩/ ٣٨٠ (١٠٧٩٦، ١٠٧٩٧).
(¬٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٩/ ٣٨٠ (١٠٧٩٤، ١٠٧٩٥)، والضياء في المختارة (٢٥٠) من حديث ابن عباس.
(¬٣) أخرجه الطبري في تفسيره ٩/ ٣٨٢ - ٣٨٣ (١٠٨١٢).
(¬٤) انظر: تفسير الطبري ٩/ ٣٨٢ (١٠٨١١).
(¬٥) المِدْرَعةُ: ضرب من الثياب لا يكون إلا من الصوف. انظر: العين للخليل ٢/ ٣٥.
(¬٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٢٢، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٧/ ٤٢١، من طريق معمر، به.