كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 9)

وقال آخرُونَ: أمرُهُ - صلى الله عليه وسلم - بقتلِ الكِلابِ، مَنْسُوخٌ بإباحتِهِ اتِّخاذَ ما كان منها للماشيةِ والصيدِ والزَّرع. واحتجَّ قائِلُو هذه المقالةِ، بحديثِ شُعبةَ، عن أبي التَّيَّاح، عن مُطرِّفِ بن الشِّخِّيرِ، عن عبدِ الله بن المُغفَّل، قال: أمرَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بقَتلِ الكِلابِ، ثُمَّ قال: "ما لي وللكِلاب؟ " ثُمَّ رخَّصَ في كلبِ الصَّيدِ.
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا شَبابةُ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، فذكرهُ (¬١).
قالوا: ففي هذا الخبرِ: أنَّ كلبَ الصَّيدِ قد كان أمر بقَتْلِهِ، ثُمَّ أباحَ الانتِفاعَ به، فارتفَعَ القتلُ عنهُ. قالوا: ومعلُومٌ أنَّ كلَّ ما يُنتَفعُ به، جائزٌ اتِّخاذُهُ، ولا يجُوزُ قَتْلُهُ، إلّا ما يُؤكَلُ، فيُذكَّى ولا يقتُلُ.
واحتجُّوا أيضًا بحديثِ ابن وَهْب، عن عَمرِو (¬٢) بن الحارِثِ، عن عبدِ ربِّهِ بن سعيدٍ، عن عَمرِو بن شُعَيب، عن سَعيدِ بن المُسيِّب: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمرَ بقتلِ الكِلابِ، ثُمَّ قال: "إنَّها أُمَّةٌ، ولا أُحِبُّ أن أُفْنيَها، ولكِنِ اقتُلُوا كلَّ أسودَ بَهيم".
وقد قال ابنُ جُريج - في حديثِ أبي الزُّبيرِ، عن جابر: أمَرَنا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بقَتْلِ الكِلابِ - قال: فكُنّا نَقْتُلُها، حتَّى قال: "إنَّها أُمَّةٌ من الأُمم"، ثُمَّ نَهَى عن قَتْلِها، وقال: "عليكُم بالأسْوَدِ ذي القَرْنينِ"، أو قال: "ذي النُّكْتتينِ، فإنَّهُ شيطانٌ".
---------------
(¬١) أخرجه أحمد في مسنده ٢٧/ ٣٤٧، ٣٤٨ (١٦٧٩٢)، والدارمي (٧٤٣، ٢٠١٢)، ومسلم (٢٨٠)، وأبو داود (٧٤)، وابن ماجة (٣٦٥، ٣٢٠٠)، والنسائي في المجتبى ١/ ٥٤، ١٧٧، وفي الكبرى ١/ ٩٨ (٧٠)، وابن الجارود في المنتقى (٥٣)، وابن حبان ٤/ ١١٤ (١٢٩٨)، والبيهقي في الكبرى ١/ ٢٥١، والبغوي في شرح السنة (٢٧٨١) من طريق شعبة، به. وانظر: المسند الجامع ١٢/ ٢٦٠ (٩٤٩٦).
(¬٢) في الأصل: "عمر".

الصفحة 124