كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 9)

وقد قيلِ في هذه المسألةِ أقوالٌ غيرُ ما قُلنا شاذَّةٌ، ليسَ عليها أحَدٌ من فُقهاءِ الأمْصارِ أهل الفُتيا اليومَ، منها: قولُ ربيعةَ بن أبي (¬١) عبدِ الرَّحمنِ، قال: فمَنْ أعتَقَ حِصَّةً لهُ من عبدٍ، أنَّ العِتقَ باطِلٌ، مُوسِرًا كان المُعتِقُ أو مُعسِرًا (¬٢).
وهذا تجريدٌ لردِّ الحديثِ أيضًا، وما أظُنُّهُ عرفَ الحديث؛ لأَنَّهُ لا يليقُ بمثلهِ ذلك.
وقد ذكر محمدُ بن سيرين، عن بعضِهِم: أنَّهُ جعلَ قِيمةَ حِصَّةِ الشَّريكِ في بيتِ المالِ. وهذا أيضًا خِلافُ السُّنَّة (¬٣).
وعنِ الشَّعبيِّ، وإبراهيم، أنَّهُما قالا: الولاءُ للمُعتَقِ ضمِنَ أو لم يَضْمن، وهذا أيضًا خِلافُ قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "الولاءُ لمنْ أعْطَى الثَّمنَ" (¬٤).
فهذا حُكمُ من أعتقَ حِصَّةً لهُ من عَبْدٍ بينهُ وبين غيرِهِ.
وأمّا من أعتق حِصَّةً من عَبدِهِ، الذي لا شرِكَةَ فيه لأحَدٍ مَعهُ، فإنَّ عامَّةَ العُلماءِ بالحِجازِ والعِراقِ يقولُونَ: يعتِقُ عليه كلُّهُ، ولا سِعايةَ عليه. إلّا أنَّ مالكًا قال: إن ماتَ قبلَ أن يُحكَم عليه، لم يُحكم عليه.
وقال أبو حنيفةَ: يعتِقُ منهُ ذلكَ النَّصيبُ، ويسعَى لمولاهُ في بَقِيَّةِ قيمتِهِ، مُوسِرًا كان أو مُعسِرًا. وخالفهُ أصحابُهُ، فلم يروا في ذلك سِعايةً، وهُو الصَّوابُ، وعليه النّاسُ.
---------------
(¬١) هذا الحرف سقط من م.
(¬٢) انظر: الاستذكار ٧/ ٣١٥ - ٣١٦، وذكره الماوردي في الحاوي الكبير ١٨/ ٥، وابن رشد في بداية المجتهد ٤/ ١٥١.
(¬٣) ذكره ابن رشد في بداية المجتهد ٤/ ١٥١.
(¬٤) أخرجه أحمد ٤٢/ ٢٢٦، ٣٤٥ (٢٥٣٦٦، ٢٥٥٣٣)، والبخاري (٢٥٣٦، ٦٧٥٨)، وأبو داود (٢٩١٦)، والترمذي (١٢٥٦)، والنسائي في المجتبى ٦/ ١٦٢، و ٧/ ٣٠٠، وفي الكبرى ٥/ ٢٧١، و ٦/ ٧١ (٥٦١٣، ٦١٩٣)، وابن حبان ١٠/ ٩١ - ٩٢ (٤٢٧١) من حديث عائشة.
وانظر: المسند الجامع ٢٠/ ١٠ - ١٢ (١٦٧٦٠).

الصفحة 178