كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 9)
والحُجَّةُ في ذلك: أنَّ السُّنَّةَ لمّا ورَدَت بأن يعتِقَ عليه نصيبُ شَريكِهِ، كان أحرى بأن يعتِقَ عليه فيه مِلْكُهُ، لأَنَّهُ مُوسِرٌ به، مالكٌ لهُ. وهذه سُنَّةٌ وإجماعٌ.
وفي مِثلِ هذا قالوا: ليسَ للّه شريكٌ.
وقد جاءَ عن الحَسنِ: يُعتِقُ الرَّجُلُ من عَبدِهِ ما شاءَ (¬١). وهذا نحوُ قولِ أبي حنيفةَ، ورُوي مِثلُهُ عن عليٍّ رضي الله عنهُ (¬٢).
وبه قال أهلُ الظّاهِرِ، كما يهبُ من عَبدِهِ ما شاءَ. وروَوْا في ذلك خَبرًا عن إسماعيلَ بن أُميَّةَ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: أنَّهُ أعتقَ نِصفَ عَبْدٍ، فلم يُنكِر رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عِتقَهُ. ذكر أبو داود في "السُّننِ" (¬٣).
وعنِ الشَّعبيِّ (¬٤) وعُبيدِ الله بن الحسنِ، مِثلُ قولِ أبي حَنِيفةَ سواءً.
ومِن الحُجَّةِ أيضًا في إبطالِ السِّعايةِ، حديثُ عِمْرانَ بن حُصينٍ: أنَّ رجُلًا أعتَقَ سِتَّةَ مملُوكينَ لهُ عندَ الموتِ، وليسَ لهُ مالٌ غيرَهم، فأقْرَعُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بَيْنهُم، فأعتَقَ ثلثهُم، وأرقَّ الثُّلُثينِ، ولِم يَسْتَسعِهِم (¬٥).
وقال الكُوفيُّونَ في هذه أيضًا: يعتِقُ العَبِيدُ كلُّهُم، وَيسْعون في ثُلثي قيمتِهِم للوَرَثةِ، فخالَفُوا السُّنَّةَ أيضًا برأيِهِم.
وسنذكُرُ هذا الحديثَ، وما للعُلماءِ في معناهُ من الأقوالِ، في بابِ يحيى بن سعيدٍ إن شاءَ الله.
---------------
(¬١) انظر: مصنف عبد الرزاق (١٦٧٠٩) وابن أبي شيبة (٢١٠٩٧).
(¬٢) انظر: مصنف ابن أبي شيبة (٢١٠٩٦).
(¬٣) بل أخرجه في المراسيل (١٩٧). وأخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (١٩٧٠٥) عن عمرو بن حوشب، عن إسماعيل، به. ومن طريقه أخرجه أحمد في مسنده ٢٤/ ١٢٦ - ١٢٧ (١٥٤٠٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥٣٢)، والطبراني في الكبير ٦/ ٦١، ٦٢ (٥٥١٧)، والبيهقي في الكبرى ١٠/ ٢٧٤.
(¬٤) في مصنف ابن أبي شيبة (٢١٠٩٣).
(¬٥) سيأتي بإسناده من عدة طرق في الحديث الثامن والأربعين ليحيى بن سعيد، وهو في الموطأ ٢/ ٣٢٥ (٢٢٤٤) من مرسل الحسن وابن سيرين، وانظر تخريجه في موضعه.