كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 9)
محمدُ بن المُثنَّى. قالوا: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن شَقيقٍ (¬١) أبي وائل، عن مسرُوقٍ، عن عائشةَ، قالت: ما ترَكَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - دينارًا، ولا دِرهمًا، ولا شاةً، ولا بَعِيرًا، ولا أوْصَى بشيءٍ.
قال أبو عُمر: أمّا تَرْكُهُ - صلى الله عليه وسلم - الوصيَّةَ، ونَدْبُهُ أُمّتَه إليها، فإنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - ليسَ كأحدٍ من أُمَّتِهِ في هذا؛ لأنَّ ما تَخلَّفَهُ هُو فصَدَقةٌ، قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنّا لا نُورَثُ، ما ترَكنا فهُو صَدَقةٌ" (¬٢). وإذا كان ما يُخلِّفُهُ صَدَقةً، فكيفَ يُوصِي منهُ بثُلثٍ؟ أو كيفَ يُشَبَّهُ في ذلك بغير، وغيرُهُ لا تجُوزُ لهُ الوصيَّةُ، خاصَّةً وما تخلَّفَهُ هُو - صلى الله عليه وسلم - بعدَ فصدقةٌ كلُّهُ، على ما قال - صلى الله عليه وسلم -؟
ووجهٌ آخرُ، وهُو قولُ الله عزَّ وجلَّ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة: ١٨٠]، والخيرُ هاهُنا: المالُ، لا خِلافَ بينِ أهلِ العِلم في ذلكَ، ومِثلُ قولِهِ عزَّ وجلَّ: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة: ١٨٠]، وقولِهِ: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: ٨]. وقولِه: {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} [ص: ٣٢]. وقولِه: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} (¬٣) [النور: ٣٣]. الخيرُ في هذه الآياتِ كلِّها: المالُ، وكذلك قولُهُ عزَّ وجلَّ حاكيًا عن شُعيبِ - صلى الله عليه وسلم -: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} [هود: ٨٤]، يعني الغِنَى.
ورسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يترُك دينارًا ولا دِرهمًا، ولا بعيرًا ولا شاةً، وقال: "ما ترَكتُ بعدي صَدَقةٌ" (¬٤)، وقال: "إنّا مَعْشَر الأنبياءِ لا نُورَثُ، ما ترَكنا فهُو صَدَقةٌ". وقد مَضَى تفسيرُ ذلك في بابِ ابن شِهاب، عن عُروةَ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للّه.
---------------
(¬١) في م: "شقيق بن أبي وائل"، محرف، وهو شقيق بن سلمة، أبو وائل الأسدي. انظر: تهذيب الكمال ١٢/ ٥٤٨.
(¬٢) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٩٢ (٢٨٤٠) من حديث عائشة.
(¬٣) قوله: "وقوله: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} لم يرد في الأصل.
(¬٤) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٩٢ (٢٨٤٠) من حديث عائشة. وانظر: في شرحه ما بعده.