كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 9)
قال: فسمِعتُهُ يقولُ: هي زكاةُ الأموالِ كلِّها، من الذَّهَبِ، والوَرِقِ، والثِّمارِ، والحُبُوبِ، والمواشي، وزكاةُ الفِطرِ، وتلا: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (¬١) [التوبة: ١٠٣].
وذكر أبو التَّمّام، قال: قال مالكٌ: زكاةُ الفِطرِ واجِبةٌ. وبه قال أهلُ العِلم، كلُّهُم، إلّا بعضَ أهلِ العِراقِ، فإنَّهُ قال: سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ.
قال أبو عُمر: اختلَفَ المُتأخِّرُون من أصحابِ مالكٍ في هذه المسألةِ، فقال بعضُهُم: هي سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ، وقال بعضُهُم: هي فرضٌ واجِبٌ (¬٢). ومِمَّن ذهَبَ إلى مذاهِبِهِم: أصْبغُ بن الفَرج.
وكذلكَ اختلفَ أصحابُ داود بن عليٍّ فيها أيضًا على قولينِ، أحدُهُما: أنَّها فرضٌ واجِبٌ، والآخِرُ: أنَّها سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ. وسائرُ العُلماءِ على أنَّها واجِبةٌ (¬٣).
وأمّا قولُ ابنِ عُمرَ في هذا الحديثِ: فرضَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صَدَقةَ الفِطْر (¬٤). فإنَّهُ يحتمِلُ وجهينِ: أحدُهُما، وهُو الأظْهَرُ فرضَ، بمعنَى: أوجبَ. والآخرُ فرضَ، بمعنى: قدَّرَ، من المِقدارِ، كما تقولُ: فرضَ القاضي نَفَقةَ اليتيم، أي: قَدَّرها وعرَّف مِقْدارها.
والذي أذهَبُ إليه، أنْ لا يُزالُ قولُهُ: "فرضَ" على معنى الإيجابِ، إلّا بدليلِ الإجماع، وذلك معدُومٌ في هذا الموضِع، وقد فهِمَ المُسلِمُونَ من قولِهِ
---------------
(¬١) انظر: الكافي في فقه أهل المدينة للمصنف، ص ١١٣.
(¬٢) انظر: الاستذكار ٣/ ٢٦٥. وانظر فيه أيضًا ما بعده.
(¬٣) نقله ابن قدامة في المغني ٣/ ٧٩ عن المؤلف، وصَدّره بقوله: "زعم ابن عبد البر".
(¬٤) زاد هنا في م من ظا: "وقد قاله ابن عبّاس، وأبو سعيدٍ الخُدريُّ، وقد ذكرنا حديث أبي سعيد فيما سلف من كتابنا من باب زيد بن أسلم"، ولا معنى لهذه الزيادة.