كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 9)

نُكفِّرُ من قال بتحليلِ شيءٍ من ذلكَ؛ لأنَّ الدَّليلَ في ذلكَ يُوجِبُ العملَ، ولا يقطَعُ العُذْرَ، والأمرُ في هذا واضِحٌ لمن فهِم.
وقد ذكَرَ أبو داودَ (¬١)، وغيرُهُ من حديثِ عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: فرضَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - زَكاةَ الفِطْرِ طُهْرةً للصّائم من اللَّغوِ والرَّفَثِ، وطُعمةً للمَساكينِ، من أدّاها قبلَ الصَّلاةِ فهي زكاةٌ مقبُولةٌ، ومن أدّاها بعدَ الصَّلاةِ فهي صَدَقةٌ من الصَّدَقاتِ.
قال أبو عُمر: أمّا قولُ ابن عبّاسٍ (¬٢) في هذا الحديثِ: فمن أدّاها قبلَ الصَّلاةِ، فقد رُوِي مِثلُهُ عن ابن عُمرَ أيضًا، رواهُ موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: أمَرَنا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بزَكاةِ الفِطْرِ أن تُؤَدَّى قبلَ أن يخرُجَ النّاسُ إلى الصَّلاةِ. قال: وكان عبدُ الله بن عُمرَ يُؤَدِّيها قبلَ ذلك باليوم واليومين (¬٣).
واختلَفَ الفُقهاءُ في الوقتِ الذي بإدراكِهِ، تجِبُ زَكاةُ الفِطْرِ على مُدْرِكِهِ (¬٤)، فذكَرَ أبو التَّمّام (¬٥) قال: تَجِبُ زَكاةُ الفِطرِ عندَ مالكٍ بإدراكِ أوَّلِ جُزءٍ من يوم الفِطْر. في إحدى الرِّوايتينِ عنهُ.
---------------
(¬١) في سننه (١٦٠٩). وأخرجه ابن ماجة (١٨٢٧)، والدارقطني في سننه ٣/ ٦١ (٢٥٦٧)، والبيهقي في السنن الصغرى ١/ ٤٦٩ (١١٧٩) من طريق عكرمة، به. وانظر: المسند الجامع ٨/ ٥٤٤ (٦١٨٧).
(¬٢) قوله: "أما قول ابن عباس" سقط من الأصل.
(¬٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٥٨٤٥)، وأحمد في مسنده ١٠/ ٤٤٨، ٤٧٠ (٦٣٨٩، ٦٤٢٩)، والبخاري (١٥٠٩)، ومسلم (٩٨٦) (٢٢)، وأبو داود (١٦١٠)، والترمذي (٦٧٧)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٥٤، وفي الكبرى ٣/ ٤٤ (٢٣١٢)، وابن خزيمة (٢٤٢٢، ٢٤٢٣)، والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٧٤، من طريق موسى بن عقبة، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٢٤٩ - ٢٥٠ (٧٤٨٩).
(¬٤) ينظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ٤٦٦ - ٤٦٧ (٤٥٤).
(¬٥) هو علي بن محمد بن أحمد البصري الفقيه المالكي، قال القاضي عياض في ترتيب المدارك ٧/ ٧٦: "كان جيد النظر حسن الكلام حاذقًا بالأصول وله كتاب مختصر في الخلاف سماه نكت الأدلة، وكتاب آخر في الخلاف كبير". قلنا: وهو من طبعة خويزمنداد.

الصفحة 217