كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 9)
قال: وقولُهُ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} الآيةَ [النور: ٦]. قال: فإذا حلَفا فُرِّقَ بينهُما، وإن لم يَحْلِفا أُقيمَ الجَلْدُ أوِ الرَّجمُ (¬١).
وهذا كقولِ مالكٍ (¬٢) سَواءٌ في الفُرقةِ وإقامةِ الحدِّ، عندَ نُكُولِ المرأةِ.
وقال الضَّحّاكُ بن مُزاحِم، في قولِهِ عزَّ وجلَّ: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ} قال: إن هي أبت أن تُلاعِنَ، رُجِمت إن كانت ثيِّبًا، وجُلِدت إن كانت بِكْرًا (¬٣). وهُو قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلم بتأويلِ القُرآن، وأكثرِ فُقهاءِ الأمْصَارِ.
والعَجَبُ من (¬٤) أبي حَنِيفةَ يقضي بالنكُولِ في الحُقُوقِ بين النّاسِ، ولا يَرَى ردَّ اليَمينِ، ولم يَقُل بالنُّكُولِ ها هُنا، والذي ذهَبَ إليه أبو حنيفةَ، واللهُ أعلمُ، أنَّهُ جَبُن عن (¬٥) إقامةِ الحدِّ عليها -بدعوَى زَوْجِها ويَمينِهِ، دُون إقرارِها، أو ببيِّنة تقومُ عليها، ولم يَقْضِ بالنُّكُولِ، لأنَّ الحُدُودَ تُدرأُ بالشُّبُهاتِ، ومِثلُ هذا كلِّهِ شُبْهةٌ دَرَأَ بها الحدَّ عنها- وحَبَسها حتّى تلتعِنَ. وهذا قولٌ ضعيفٌ في النَّظرِ، مع مخُالفتِهِ الجُمهُورَ والأُصُولَ، والله المُستعانُ.
ومذهبُ مالكٍ والشّافِعيِّ: أنَّ اللِّعانَ فسخٌ بغيرِ طلاقٍ. وقال أبو حنيفةَ: هي طَلْقةٌ بائنةٌ (¬٦).
واتَّفق مالكٌ والشّافِعيُّ على أنَّهُ جائزٌ أن يُلاعِنَ إذا نَفَى الحملَ، وكان الحملُ (¬٧) ظاهِرًا، على ما تقدَّمَ عن مالكٍ وأصحابِهِ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ، وأصحابِهِ
---------------
(¬١) ذكره السيوطي في الدر المنثور ١٠/ ٦٤٦، وعزاه إلى أبي داود في الناسخ والمنسوخ.
(¬٢) في د ٤: "هكذا كقول مالك".
(¬٣) انظر: مصنَّف ابن أبي شيبة (٢٩٠٤٧) وفيه: تجلد مئة وتُرجم.
(¬٤) في د ٤: "في".
(¬٥) في م: "حين عز" بدل: "جبن عن".
(¬٦) وهو في الأصل قول إبراهيم النخعي أخذ به أبو حنيفة ومحمد بن الحسن. ينظر: المبسوط للسرخسي ٧/ ٤٣.
(¬٧) قوله: "وكان الحملُ" لم يرد في د ٤.