كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 9)
قال أبو عُمر: هكذا في الحديثِ: "أجعَدَ"، والصَّوابُ عندَ أهلِ العربيَّةِ: جَعْدٌ، يُقالُ: رجُلٌ جَعْدٌ، وامرأةٌ جَعْدةٌ، ولا يُقالُ: أجعَدُ. قال الأوزاعيُّ رحِمهُ الله: أعْرِبُوا الحديثَ، فإنَّ القومَ كانوا عَرَبًا.
وأمّا الحديثُ الذي قيلَ هذا فيه (¬١): "إن جاءَت به أسْحَمَ، أدْعَجَ العَيْنينِ، عظيمَ الألْيَتينِ، فلا أُراهُ إلّا قد صدَقَ، وإن جاءَت به أحمرَ، كأنَّهُ وَحْرةٌ، فلا أُراهُ إلّا كاذِبًا". قال: فجاءَت به على النَّعتِ المكرُوهِ.
فالأسْحَمُ: الأسودُ من كلِّ شيءٍ، والسُّحمةُ: السَّوادُ.
والدَّعَجُ: شِدَّةُ سَوادِ العَيْنِ، يُقالُ: رجُلٌ أدعجُ، وامرأةٌ دعجاءُ وعَيْنٌ دَعْجاءُ، وليلٌ أدعجُ، أي: أسودُ.
وأمّا قولُهُ: "كأنَّهُ وَحْرةٌ" فأرادَ، واللهُ أعلمُ، كأنَّهُ وَزَغةٌ؛ قال الخليلُ (¬٢): والوَحَرَةُ: وَزَغَةٌ تكونُ في الصَّحاري. قال: وامرأةٌ (¬٣) وَحَرةٌ: سوداءُ دَمِيمةٌ.
وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ واضحٌ (¬٤) على أنَّ المرأةَ كانت حُبلَى.
وفيه ضُرُوبٌ من الفِقهِ ظاهِرةٌ, أبْيَنُها: أنَّ القاذِفَ لزَوْجتِهِ يُجلَدُ إن لم يُلاعِنْ. وعلى هذا جَماعةُ أهلِ العِلم، إلّا ما قدَّمنا ذِكْرهُ عن أبي حَنِيفةَ في هذا البابِ، وشيءٌ رُوِيَ عن الشَّعبيِّ والحارِثِ العُكليِّ، قالوا: المُلاعِنُ إذا أكْذَبَ نفسَهُ لم يُضْرَب.
وهذا قولٌ لا وجهَ لهُ، والقُرآنُ والسُّنَّةُ يرُدّانِهِ، وَيقْضيانِ: أنَّ كلَّ من قذفَ امرأةً (¬٥) , ولم يخرُج بما قالهُ بشُهُودٍ أربعةٍ، إن كان أجنبيًّا، أو بلِعانٍ، إن كان زوجًا، جُلِدَ الحدَّ. ولا يصِحُّ عِندي عن الشَّعبيِّ، وكذلكَ لا يصِحُّ إن شاءَ اللهُ عن غيرِهِ.
---------------
(¬١) في د ٤: "ففيه".
(¬٢) انظر: العين ٣/ ٢٩٠.
(¬٣) في م: "والمرأة".
(¬٤) هذه الكلمة سقطت من م.
(¬٥) في م: "يقذف امرأته" بدل: "قذف امرأة".