كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 9)
ولو طلَّقَها لعِدَّتِها في طُهْرٍ لم يَمَسَّها فيه: لم يُكرَه لهُ ذلك، ألا ترى إلى قولِهِ في هذا الحديثِ: "ثُمَّ إن شاءَ طلَّقَ، وإن شاءَ أمسكَ"؟ وهذا غايَةٌ في الإباحَةِ، والقُرآنُ وردَ بإباحةِ الطَّلاقِ، وطلَّق رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بعضَ نِسائه (¬١). وهُو أمرٌ لا خِلافَ فيه.
وفيه: أنَّ الطَّلاقَ في الحيضِ مكرُوهٌ، وفاعِلُهُ عاصٍ لله عزَّ وجلَّ إذا كان عالِمًا بالنَّهيِ عنهُ.
والدَّليلُ على أنَّهُ مكرُوهٌ، وإن كان شيئًا لا خِلافَ فيه أيضًا والحمدُ لله: تَغَيُّظُ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- على ابن عُمرَ، حينَ طلَّق امرأتهُ حائضًا.
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بَكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (¬٢): حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا عَنْبَسةُ، قال: حدَّثنا يونُسُ، عن ابن شِهاب، قال: أخبرني سالمُ بن عبدِ الله، عن أبيهِ: أنَّهُ طلَّقَ امرأتهُ وهي حائضٌ، فذكرَ ذلك عُمرُ لرسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فتغيَّظَ رسُولُ الله، ثُمَّ قال: "مُرْهُ فلْيُراجِعْها، ثُمَّ ليُمسِكْها حتّى تَطْهُر، ثُمَّ تحيضَ فتطهُرَ، ثُمَّ إن شاءَ طلَّقها طاهِرًا قبلَ أن يَمَسَّها، فذلكَ الطَّلاقُ للعِدَّةِ، كما أمرَهُ الله".
وفيه: أنَّ الطَّلاقَ في الحَيْضِ لازِمٌ لمن أوْقَعهُ، وإن كان فاعِلُهُ قد فعلَ ما كُرِهَ لهُ، إذ تركَ وجهَ الطَّلاقِ وسُنَّتهُ.
---------------
(¬١) أخرجه البخاري (٥٢٥٤)، وابن ماجة (٢٠٥٠)، والنسائي في المجتبى ٦/ ١٥٠، وفي الكبرى ٥/ ٢٥٨ (٥٥٨٠)، وابن الجارود في المنتقى (٧٣٨)، وابن حبان ١٠/ ٨٣ (٤٢٦٦)، والدارقطني في سننه ٥/ ٥٣ (٣٩٧١) من حديث عائشة. وانظر: المسند الجامع ١٩/ ٨٣٦ (١٦٧٨٣).
(¬٢) في سننه (٢١٨٢). وأخرجه البخاري (٧١٦٠)، والدارقطني في سننه ٥/ ١١ (٣٨٩٥) من طريق يونس، به. وأخرجه أحمد في مسنده ١٠/ ٢٨٩ (٦١٤١)، والبخاري (٤٩٠٨)، ومسلم (١٤٧١) (٤) والنسائي في المجتبى ٦/ ١٣٨، وفي الكبرى ٥/ ٢٤٨ (٥٥٥٤)، وأبو عوانة (٤٥١١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٥٣، والطبراني في مسند الشاميين ٣/ ٤٧ (١٧٨٠)، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٣٢٤، من طريق الزهري، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٤١٤ - ٤١٥ (٧٧٠١).