كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 9)
بطلاقِها ثلاثًا، كما أنَّ قولهُ: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨] قد عمَّ المُطلَّقاتِ ذواتِ الأقراءِ.
وقولُهُ في نسقِ الآيةِ: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} [الطلاق: ٢] راجِعٌ إلى من لم يُبلَغْ بطلاقِها الثلاث.
وفي ذلك إباحَةُ إيقاع ما شاءَ المُطلِّقُ من الطَّلاقِ، وظاهِرُ حديثِ ابن عُمر يشهدُ بهذا؛ لأنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمرهُ (¬١) أن يُراجِعَ امرأتهُ، ثُمَّ يُمهِلها حتّى تطهُر، ثُمَّ تحيضَ، ثُمَّ تطهُرَ، ثُمَّ إن شاءَ طلَّق، وإن شاءَ أمسكَ. ولم يحظر طلاقًا من طلاقٍ، ولا عددًا من عددٍ في الطَّلاقِ.
قالوا: فلهُ أن يُطلِّقَ كم شاءَ، إذا كانت مدخُولًا بها، وإن كانت غيرَ مدخُولٍ بها، طلَّقها كم شاءَ، ومتى شاءَ، طاهِرًا وحائضًا؛ لأنَّهُ لا عِدَّةَ عليها.
ومِمّا احتجُّوا به أيضًا: أنَّ العَجْلانيَّ طلَّقَ امرأتهُ بعدَ اللِّعان ثلاثًا، فلم يُنكِرهُ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- (¬٢).
وأنَّ رِفاعةَ بن سِمْوالٍ طلَّقَ امرأتهُ ثلاثًا، فلم يُنكِرْ عليه رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- (¬٣).
وأنَّ رُكانةَ طلَّقَ امرأتهُ البتَّةَ، فقال لهُ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما أردتَ بها؟ " (¬٤).
فلو أرادَ ثلاثًا، لكانت ثلاثًا، ولم يُنكِر ذلك عليه رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-.
وأنَّ فاطِمةَ ابنةَ قَيْسٍ طلَّقها زَوْجُها ثلاثًا؛ كذلكَ ذكرهُ الشَّعبيُّ، عن فاطِمةَ (¬٥).
---------------
(¬١) في الأصل، م: "أقره".
(¬٢) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٧٦، ٧٧ (١٦٤٢).
(¬٣) أخرجه مالك في الموطأ أيضًا ٢/ ٣٦ (١٥١٦).
(¬٤) سيأتي بإسناده، ويخرج في موضعه.
(¬٥) سيأتي بإسناده، ويخرج في موضعه، وكذا ما بعده، سوى ما نخرجه هنا.