كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 9)

قال: نعم. قيل لهُ: فإن ابتدأني الضَّبُعُ، أوِ الهِرُّ، أوِ الثَّعلبُ، وأنا مُحرِم، فقَتَلتُها، أعليَّ في قولِ مالكٍ شيءٌ؟ قال: لا. وهُو رأيي، ألا تَرَى أنَّ رجُلًا لو عَدا على رجُل، فأرادَ قَتْلهُ، فدفَعَهُ عن نفسِهِ، لم يَكُن عليه شيءٌ؟
وقال أشهبُ (¬١): سألتُ مالكًا: أيقتُلُ المُحرِمُ الغُرابَ والحِدَأةَ من غيرِ أن يضُّرّا به؟ فقال: لا، إلّا أن يضُّرّا به، إنَّما أُذِنَ في قَتلِهِما إذا أضرّا، في رأيي، فأمّا أن يُصيبَهُما بَدْءًا، فلا أرى ذلك، وهُما صيدٌ، وليسَ للمُحرِم أن يصيدَ، وليسا مِثلَ العَقْربِ والفأر، والغُرابُ (¬٢) والحِدَأةُ صَيْدٌ، فلا يجبُ (¬٣) أن يُقتُلا في الحُرْم، خوفَ الذَّريعةِ إلى الاصطيادِ، فإن أضرّا بالمُحرِم، فلا بأسَ أن يقتُلَهما. قال: فقلتُ لهُ: أيصيدُ المُحرِمُ الثَّعلبَ والذِّئبَ؟ قال: لا. ثُمَّ قال: والله، ما أدري أعلى هذا أصلُ رأيِكَ، أم تتجاهلُ؟ قلتُ: ما أتجاهلُ، ولكِن ظَننتُ أن تراهُ من السِّباع.
قال مالكٌ: وكلُّ شيءٍ لا يعدُو من السِّباع، مِثلَ الهِرِّ والثَّعلبِ والضَّبُع وما أشبهَها، فلا يَقتُلُهُ المُحرِمُ، وإن قتَلهُ وداهُ؟ لأنَّ النَّبيَّ -صلي الله عليه وسلم- لم يأذَنْ في قتلِ السِّباع، وإنَّما أذِنَ في قتلِ الكلبِ العقُورِ.
قال: وصِغارُ الذِّئابِ لا أرى أن يقتُلَها المُحرِمُ، فإن قَتَلَها فداها، وهي مِثلُ فِراخ الغِرْبان أيَذْهبُ يصيدُها!
وقال إسماعيلُ بن إسحاق: إنَّما قال ذلك مالكٌ في أولادِ السِّباع التي لا تَعْدُو على النّاسِ، لأنَّ الإباحَةَ إنَّما جاءَت في الكَلْبِ العقُورِ، وأولادُهُ ليست تَعقِرُ، فلا تدخُلُ في هذا النَّعتِ.
---------------
(¬١) انظر: النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني ٢/ ٤٦٢، والجامع لمسائل المدونة لأبي بكر الصقلي ٥/ ٦٨٦، والتبصرة للخمي ٣/ ١٣٠٤ - ١٣٠٥.
(¬٢) في م: "والغراب".
(¬٣) في ف ٣، م: "يجوز".

الصفحة 423