كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 9)
حدَّثنا عبّادُ بن العوّام، عن هِلالِ بن خبّابِ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ: أنَّ ضُباعَةَ بنتَ الزُّبيرِ بن عبدِ المُطَّلِبِ أتَتْ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسُولَ الله، إنِّي أُريدُ الحجَّ أأشترِطُ؟ قال: "نعم"، قالت: وكيفَ أقولُ؟ قال: "قُولي: لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، ومحِلِّي من الأرْضِ حيثُ حَبَسْتني".
قال أبو عُمر: الإحصارُ عندَ أهلِ العِلم على وُجُوهٍ، مِنْها: الحصرُ بالعدُوِّ، ومنها: بالسُّلطان الجائرِ، ومنها: بالمرَضِ، وشِبهِهِ.
وأصلُ الحَصرِ في اللُّغةِ، الحَبْسُ والمنعُ، قال الخليلُ (¬١)، وغيرُهُ: حصرتُ الرَّجُلَ حصرًا: مَنعتَهُ وحبستَهُ، وأُحصِرَ الحاجُّ عن بُلُوغ المناسِكِ من مَرضٍ، أو نحوِهِ. هكذا قال، جَعَل الأوَّلَ ثُلاثيًّا، من حَصرتُ، وجَعل الثّانيَ في المَرضِ رُباعيًّا، وعلى هذا خرجَ قولُ ابن عبّاسٍ: لا حصرَ إلّا حصرُ العَدُوِّ (¬٢). ولم يَقُل: لا إحصارَ (¬٣) إلّا إحْصارُ العدُوِّ.
وقالت طائفة: يُقالُ: أُحصِرَ فيهما جميعًا، من الرُّباعيِّ.
وقال منهُم جماعةٌ: حُصِرَ، وأُحصِرَ، بمعنًى واحدٍ (¬٤) في المرضِ والعدُوِّ جميعًا، ومعناهُ حُبِسَ.
واحتجَّ من قال بهذا من الفُقهاءِ، بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} [البقرة: ١٩٦] وإنَّما نزلت هذه الآيةُ في الحُدَيبيةِ.
وعلى نحوِ ذلك اختَلَف (¬٥) أهل العِلم في أحكام المحبُوسِ بعدُوٍّ، والمحبُوسِ
---------------
(¬١) انظر: العين ٣/ ١١٣.
(¬٢) أخرجه الشافعي في مسنده، ص ٣٦٧، وفي الأم ٣/ ١٦٣، ٢١٦، ومن طريقه أخرجه البيهقي في الكبرى ٥/ ٢١٩.
(¬٣) قوله: "لا إحصار" من د ٤، ف ٣.
(¬٤) هذه الكلمة لم ترد في م.
(¬٥) هذه الكلمة سقطت من م.