كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 9)
تلكَ، فينزِلُ بها، فلذلكَ فعلَ مِثلَ ذلك بالمُعرَّسِ، لا أنَّهُ كان يَراهُ واجِبًا على النّاسِ، ولو كان واجِبًا لقالَ فيه رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابُهُ للنّاسِ ما يقِفُونَ عليه.
وقال إسماعيلُ بن إسحاقَ: ليسَ نُزُولُهُ -صلى الله عليه وسلم- بالمُعرَّسِ، كسائرِ مَنازِلِ طريقِ مكَّةَ؛ لأنَّهُ كان يُصلِّي الفَرِيضةَ حَيْثُ أمْكَنهُ، والمُعرَّسُ إنَّما كان يُصلِّي فيه (¬١) نافِلةً، ولا وجهَ لمن زهَّدَ النّاسَ في الخيرِ. قال: ولو كان المُعرَّسُ كسائرِ المنازِلِ، ما أنكَرَ ابنُ عُمرَ على نافع ما تَوهَّمهُ عليه من التَّأخُّرِ عنهُ.
قال: وحدَّثنا أبو ثابتٍ، عن ابن أبي حازِم، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع، أنَّ ابنَ عُمرَ سَتقهُ إلى المُعرَّسِ، وأبْطَأ عليه نافعٌ، فقال لهُ: ما حبَسكَ؟ قال: فأخبرتُهُ، فقال: ظَننتُ أنَّكَ أخذتَ الطَّريقَ الأُخرَى، ولو فعلتَ لأوجَعتُكَ ضربًا.
وروى اللَّيثُ، عن نافع مِثلَهُ.
قال إسماعيلُ: وحدَّثنا إبراهيمُ بن الحجّاج، عن عبدِ العزيزِ بن المُختارِ، عن موسى بن عُقبةَ، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَزَلَ في المُعرَّسِ من ذي الحُلَيفةِ في بَطْنِ الوادي، فقيل لهُ: إنَّكَ ببطحاءَ مُبارَكة (¬٢).
قال أبو عُمر: وأمّا المُحصَّبُ، فمَوْضِعٌ قُربَ مكَّةَ في أعْلَى المدينة (¬٣)، نزَلهُ أيضًا رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان مالكٌ وغيرُهُ يستحِبُّونَ النُّزولَ به، والمبيتَ والصَّلاةَ فيه، وجعلَهُ بعضُ أهلِ العِلْم من المناسِكِ التي يَنْبغي للحاجِّ نُزُولُها والمبيتُ فيها.
---------------
(¬١) شبه الجملة سقط من م.
(¬٢) أخرجه الطبراني في الكبير ١٢/ ٢٩٩ (١٣١٧٢) من طريق عبد العزيز بن المختار، به. وأخرجه أحمد في مسنده ٩/ ٢٤٢ (٥٥٩٥)، والبخاري (١٥٣٥، ٢٣٣٦، ٧٣٤٥)، ومسلم (١٣٤٦)، والنسائي في المجتبى ٥/ ١٢٦ - ١٢٧، وفي الكبرى ٤/ ١٩ (٣٦٢٦)، وابن خزيمة (٢٦١٦)، وأبو يعلى (٥٤٦٠)، وأبو عوانة (٣٧٠٠)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٢٤٥، من طريق موسى بن عقبة، به. وانظر: المسند الجامع ١٠/ ٢٩٦ - ٢٩٧ (٧٥٣٧).
(¬٣) في ف ٣: "قرب المدينة في أعلى المدينة".