كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (اسم الجزء: 9)
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ: وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ بِسْطَامَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: §دَعَا بَعْضُ مُتْرَفِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبَا السَّوَادِ الْعَدَوِيَّ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ فَأَجَابَهُ بِمَا يَعْلَمُ، فَلَمْ يوَافِقْهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: وَإِلَّا فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ، قَالَ: «فَإِلَى أَيِّ دِينٍ أَفِرُّ؟» قَالَ: وَإِلَّا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ، قَالَ: «فَإِلَى مَنْ آوِي بِاللَّيْلِ» , فَضَرَبَهُ أَرْبَعِينَ سَوْطًا، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا تَذْهَبُ أَسْوَاطُهُ عِنْدَ اللَّهِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ فَأَتَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَسُرَّ بِهِ
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ الْقَطِيعِيُّ، قَالَ: " §لَمَّا حَضَرْنَا فِي دَارِ السُّلْطَانِ أَيَّامَ الْمِحْنَةِ، وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَدْ أُحْضِرَ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ يَجِيئُونَ انْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ وَاحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَذَهَبَ ذَلِكَ اللِّينُ الَّذِي كَانَ فِيهِ، قُلْتُ: إِنَّهُ قَدْ غَضِبَ لِلَّهِ ". قَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: " فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا بِهِ قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَبْشِرْ "
وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: «كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ §مَنْ إِذَا أُرِيدَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِهِ رَأَيْتَ حَمَالِيقَ عَيْنَيْهِ فِي رَأْسِهِ تَدُورُ كَأَنَّهُ مَجْنُونٌ»
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ السَّلَّالُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ نُوحٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إِنْ رَأَيْتَنِي ضَعُفْتُ أَوْ خَذُلْتُ فَلَا تَضْعُفْ، فَلَسْتَ أَنْتَ كَأَنَا، فَقَالَ لِي: " §أَبْشِرْ فَإِنَّكَ عَلَى إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ لَا تَرَاهُ وَلَا يَرَاكَ، وَإِمَّا رَأَيْتَهُ فَكَذَّبْتَهُ فَقَتَلَكَ فَكُنْتَ مِنْ أَفْضَلِ الشُّهَدَاءِ، وَإِمَّا رَأَيْتَهُ فَصَدَّقْتَهُ فَحَالَ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ "
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَحَدَّثَنِي عَنْهُ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا أَحْمَدُ -[195]- بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ غَسَّانَ: حُمِلْتُ أَنَا وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مَحْمَلٍ عَلَى جَمَلٍ يُرَادُ بِنَا الْمَأْمُونُ، فَلَمَّا صِرْنَا قَرِيبَ عَانَةٍ قَالَ لِي أَحْمَدُ: «قَلْبِي يُحِسُّ أَنَّ رَجَاءً الْحَصَّارَ يَأْتِي فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَإِنْ أَتَى وَأَنَا نَائِمٌ فَأَيْقِظْنِي وَإِنْ أَتَى وَأَنْتَ نَائِمٌ أَيْقَظْتُكَ». فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ إِذْ قَرَعَ الْمَحْمَلَ قَارِعٌ فَأَشْرَفَ أَحْمَدُ، فَإِذَا بِرَجُلٍ يَعْرِفُهُ بِالصِّفَةِ وَكَانَ لَا يَأْوِي الْمَدَائِنَ وَالْقُرَى وَعَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ شَدَّهَا عَلَى عُنُقِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ رَضِيَكَ لَهُ وَافِدًا فَانْظُرْ لَا يَكُونُ وُفُودُكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وُفُودًا مَشْئُومًا، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا يَنْتَظِرُونَكَ لِأَنْ تَقُولَ فَيَقُولُوا، وَاعْلَمْ أَنَّمَا هُوَ الْمَوْتُ وَالْجَنَّةُ. فَلَمَّا أَشْرَفْنَا عَلَى الْبُذَيذُونَ قَالَ لِي: " يَا أَحْمَدَ بْنَ غَسَّانَ إِنِّي مُوصِيكَ بِوَصِيَّةٍ فَاحْفَظْهَا عَنِّي: §رَاقَبِ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَاشْكُرْهُ عَلَى الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَإِنْ دَعَانَا هَذَا الرَّجُلُ أَنْ نَقُولَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقُ فَلَا تَقُلْ، وَإِنْ أَنَا قُلْتُ فَلَا تَرَكْنَ إِلَيَّ وَتَأَوَّلْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113] "، فَتَعَجَّبْتُ مِنْ حَدَاثَةِ سِنِّهِ وَثَبَاتِ قَلْبِهِ. فَلَمْ يَكُنْ بِأَسْرَعَ أَنْ خَرَجَ خَادِمٌ وَهُوَ يَمْسَحُ عَنْ وَجْهِهِ بَكُمِّهِ وَهُوَ يَقُولُ: عَزَّ عَلَيَّ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَنْ جَرَّدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ سَيْفًا لَمْ يُجَرِّدْهُ قَطُّ، وَبَسَطَ نِطْعًا لَمْ يَبْسُطْهُ قَطُّ، ثُمَّ قَالَ: وَقَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا رَفَعْتُ عَنْ أَحْمَدَ وَصَاحِبِهِ حَتَّى يَقُولَا الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى أَحْمَدَ وَقَدْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَلَحَظَ السَّمَاءَ بِعَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «سَيِّدِي غَرَّ هَذَا الْفَاجِرَ حِلْمُكَ حَتَّى يَتَجَرَّأَ عَلَى أَوْلِيَائِكَ بِالْقَتْلِ وَالضَّرْبِ، اللَّهُمَّ فَإِنْ يَكُنِ الْقُرْآنُ كَلَامَكَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ فَاكْفِنَا مُؤْنَتَهُ». قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا مَضَى الثُّلُثُ الْأَوَّلُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا وَنَحْنُ بِصَيْحَةٍ وَضَجَّةٍ وَإِذَا رَجَاءٌ الْحَصَّارَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: صَدَقْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. قَدْ مَاتَ وَاللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ
الصفحة 194