كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (اسم الجزء: 9)
قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: «وَاللَّهِ لَقَدْ أُعْطِيتُ الْمَجْهُودَ مِنْ نَفْسِي، §وَلَوَدِدْتُ أَنْ أَنْجُوَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِيَ»، قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: فَأَخْبَرَنِي أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَا مَعَهُ وَقَدْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ - يَعْنِي صَاحِبَ الشَّافِعِيِّ - صَاحِبَ حَدِيثٍ قَدْ سَمِعَ وَنَظَرَ ثُمَّ جَاءَنِي بَعْدُ، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ أَخِي رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يُشْبِهُهُ قَدْ جَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ فِي وَقْتِ مَا يُوَجَّهُ إِلَيْنَا بِالطَّعَامِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَنْتَ صَائِمٌ وَأَنْتَ فِي مَوْضِعِ مَسْغَبَةٍ، وَلَقَدْ عَطِشَ فَقَالَ لِصَاحِبِ الشَّرَابِ نَاوِلْنِي فَنَاوَلَهُ قَدَحًا فِيهِ مَاءٌ وَثَلْجٌ فَأَخَذَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ هُنَيْهَةً ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ قَالَ: فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ إِلَيْهِ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْهَوْلِ، قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: وَكُنْتُ أَلْتَمِسُ وَأَحْتَالُ أَنْ أُوصِلَ إِلَيْهِ طَعَامًا أَوْ رَغِيفًا أَوْ رَغِيفَيْنِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَخْبَرَنِي رَجُلٌ حَضَرَهُ، قَالَ: تَفَقَّدْتُهُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَهُمْ يُنَاظِرُونَهُ وَيُكَلِّمُونَهُ، فَمَا لَحَنَ فِي كَلِمَةٍ وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يَكُونُ فِي مِثْلِ شَجَاعَتِهِ وَشِدَّةِ قَلْبِهِ
قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: " §دَخَلْتُ عَلَى أَبِي يَوْمًا فَقُلْتُ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى فَضْلٍ الْأَنْمَاطِيِّ فَقَالَ لَهُ: اجْعَلْنِي فِي حِلٍّ إِذْ لَمْ أَقُمْ بِنُصْرَتِكَ، فَقَالَ فَضْلٌ: لَا جَعَلْتَ أَحَدًا -[204]- فِي حِلٍّ. فَتَبَسَّمَ أَبِي وَسَكَتَ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ قَالَ: مَرَرْتُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] فَنَظَرْتُ فِي تَفْسِيرِهَا فَإِذَا هُوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، ثنا الْمُبَارَكُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ الْحَسَنَ، يَقُولُ: إِذَا جَاءَتِ الْأُمَمُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُودُوا لِيَقُمْ مَنْ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ فَلَا يَقُومُ إِلَّا مَنْ عَفَا فِي الدُّنْيَا قَالَ أَبِي: فَجَعَلْتِ الْمَيِّتَ فِي حِلٍّ مِنْ ضَرْبِهِ إِيَّايَ ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ: وَمَا عَلَى رَجُلٍ أَنْ لَا يُعَذِّبَ اللَّهُ بِسَبَبِهِ أَحَدًا " قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نُعَيْمٍ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: ذَكَرْنَا أَصَحَّ الرِّوَايَاتِ فِي الْمِحْنَةِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو الْفَضْلِ صَالِحٌ ابْنُهُ
الصفحة 203