كتاب طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (اسم الجزء: 9)

وَلَا تحتجب عَن الْعُقُول طوالعها وأضواؤها وأرفعها بعد فهم كتاب الله الْمنزل الْبَحْث عَن مَعَاني حَدِيث نبيه الْمُرْسل إِذْ بِذَاكَ تثبت الْقَوَاعِد ويستقر الأساس
وَعنهُ يقوم الْإِجْمَاع ويصدر الْقيَاس وَمَا تعين شرعا تعين تَقْدِيمه شروعا وَمَا يكون مَحْمُولا على الرَّأْس لَا يحسن أَن يَجْعَل مَوْضُوعا لَكِن شَرط ذَلِك عندنَا أَن يحفظ هَذَا النظام وَيجْعَل الرَّأْي هُوَ الْمَأْمُوم وَالنَّص هُوَ الإِمَام وَترد الْمذَاهب إِلَيْهِ وَترد الآراء المنتشرة حَتَّى تقف بَين يَدَيْهِ وَأما أَن يَجْعَل الْفَرْع أصلا وَيرد النَّص إِلَيْهِ بالتكلف والتحيل وَيحمل على أبعد المحامل بلطافة الْوَهم وسعة التخيل ويرتكب فِي تَقْرِير الآراء الصعب والذلول وَيحْتَمل من التأويلات مَا تنفر مِنْهُ النُّفُوس وتستنكره الْعُقُول فَلذَلِك عندنَا من أردإ مَذْهَب وأسوإ طَريقَة وَلَا تعتقد أَنه يحصل مَعَه النَّصِيحَة للدّين على الْحَقِيقَة وَكَيف يَقع أَمر مَعَ رُجْحَان منافيه وأنى يَصح الْوَزْن بميزان مَال أحد الْجَانِبَيْنِ فِيهِ وَمَتى ينصف حَاكم ملكته غضبية العصبية وَأَيْنَ يَقع الْحق من خاطر أَخَذته الْعِزَّة بالحمية
ثمَّ أَخذ فِي ذَلِك إِلَى مُنْتَهى الْخطْبَة
وَمن ذَلِك خطْبَة شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب
الْحَمد لله منزل الْكتاب ومفصل الْخطاب وفاتح أَبْوَاب الصَّوَاب ومانح أَسبَاب الثَّوَاب
أَحْمَده وهباته تنزل بِغَيْر حِسَاب وأعبده وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب وأرجوه وأخافه فبيده الثَّوَاب وَالْعِقَاب
وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَى الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة مُقَدمَات دلائلها مبينَة الْأَسْبَاب ونتيجة اعتقادها جنَّة مفتحة الْأَبْوَاب
قَالَ اللص لعمري لقد حسنت عبارتك ونمقتها وَحسنت إشارتك وطبقتها وَنَثَرت خيرك على فخ ضيرك وَقد قيل فِي الْمثل السائر على أَلْسِنَة الْعَرَب أنْجز حر مَا وعد أدْرك الْأسد قبل أَن يلتقي على الفريسة لحياه وَلَا يُعْجِبك من عَدو حسن محياه وَأنْشد
(لَا تخدش وَجه الحبيب فَإنَّا ... قد كشفناه قبل كشفك عَنهُ)
(واطلعنا عَلَيْهِ وَالْمُتوَلِّيّ ... قطع أذن الْعيار أعير مِنْهُ)
ألم يزْعم القَاضِي أَنه كتب الحَدِيث زَمَانا وَلَقي فِيهِ كهولا وشبانا حَتَّى فَازَ ببكره وعونه وَحَازَ مِنْهُ فقر متونه وعيونه
قَالَ القَاضِي أجل
قَالَ اللص فَأَي شَيْء كتبت فِي هَذَا الْمثل الَّذِي ضربت لَك فِيهِ الْمثل وأعملت الْحِيَل
قَالَ القَاضِي مَا يحضرني فِي هَذَا الْمقَام الْحَرج حَدِيث أسْندهُ وَلَا خبر أوردهُ فقد قطعت هيبتك كَلَامي وصدعت قبضتك عِظَامِي فلساني كليل وجناني عليل وخاطري نافر ولبي طَائِر
قَالَ اللص فليسكن لبك وليطمئن قَلْبك اسْمَع مَا أَقُول وَتَكون بثيابك حَتَّى لَا تذْهب ثِيَابك إِلَّا بالفوائد
قَالَ القَاضِي هَات
قَالَ اللص حَدثنِي أبي عَن جدي عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (يَمِين الْمُكْره لَا تلْزمهُ فَإِن حلف وَحنث فَلَا شَيْء عَلَيْهِ) وَأَنت إِن حَلَفت حَلَفت مكْرها وَإِن حنثت فَلَا شَيْء عَلَيْك انْزعْ ثِيَابك

الصفحة 231