كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 9)

وقال المازري: زعم بعض الطبائعيين أن العائن ينبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد. وهو كإصابة السم من نظر الأفعى، وأشار إلى منع الحصر في ذلك مع تجويزه. وإن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص آخر، وهل ثم جواهر حقيقية أو لا؟ وهو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه. ومن قال ممن ينتمي إلى الإسلام من أصحاب الطبائع بالقطع بأن ثم جواهر لطيفة غير مرئية ينبعث من العائن فتتصل بالمعيون، وتتخلل مسام جسمه، فيخلق الباري الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السم فقد أخطأ بدعوى القطع، ولكنه
__________
"وقال المازري: زعم بعض الطبائعين أن العائن ينبعث" يخرج "من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك" يموت "أو يفسد" جسمه أو عقله، "وهو كإصابة السم من نظر الأفعى" حية رقشاء، دقيقة العنق، عريضة الرأس، لا تزال مستديرة على نفسها، لا ينفع منها ترياق ولا رقية، فالمراد أن جنسًا من الأفاعي إذا وقع بصرها على الإنسان هلك، فكذلك العائن، وعبارة المازري عقب قوله: فيهلك أو يفسد، قالوا: ولا يمتنع هذا، كما لا يمتنع انبعاث قوة سمية من الأفعى والعقرب، تتصل باللديغ فيهلك، وإن كان غير محسوس لنا، فكذا العين، وهذا غير مسلم لأنا بينا في علم الكلام أن لا فاعل إلا الله، وبينا فساد القول بالطبائع، وأن المحدث لا يفعل في غيره شيئًا، فبطل ما قالوه، ثم المنبعث من العين إن كان عرضًا فباطل لأنه لا يقبل الانتقال وإن كان جوهرًا فباطل أيضًا لأن الجواهر متجانسة فليس بعضها بأن يكون مفسد لبعضها بأولى من عكسه، فبطل ما قالوه.
"وأشر" المازري "إلى منع الحصر في ذلك" أي خروج سمية من عين العائن "مع تجويزه" خروجها، لا على سبيل القطع، "وإن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة: أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى، أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص آخر، وهل ثم جواهر حقيقة" تخرج من العين، ولفظ المازري خفية، أي غير ظاهرة، "أو لا هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه" إذا لا مستند لذلك، وإنما هو من مجوزات العقل، وإنما يقطع بنفي الفعل عنها وإضافته إلى الله.
"ومن قال ممن ينتمي" ينتسب "إلى الإسلام من أصحاب الطبائع بالقطع بأن ثم" هناك "جواهر لطيفة غير مرئية ينبعث من العائن فتتصل بالمعيون، وتتخلل مسام جسمه، فيخلق الباري" سبحانه "الهلاك عندها، كما يخلق الهلاك عند شرب السم" وعند قطع الرأس، "فقد أخطأ بدعوى القطع" إذ لا دليل عليه، "ولكنه جائز أن يكون عادة ليس ضرورة ولا طبيعة"

الصفحة 387