كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 9)
ولم يبين في حديث ابن عباس صفة الاغتسال. قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع في حديث سهل بن حنيف عند أحمد والنسائي: أن أباه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وساروا معه نحو ماء، حتى إذا كان بشعب الخرار من الجحفة، اغتسل سهل بن حنيف وكان أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة قال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، فلبط سهل -أي صرع- وسقط إلى الأرض. فأتى
__________
الخلاف.
وقال ابن عبد البر: الأمر للوجوب؛ لأن الأمر حقيقته الوجوب، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينفعه ولا يضره، لا سيما إذا كان بسببه، وكان هو الجاني عليه، فواجب على العائن الغسل، "ولم يبين في حديث ابن عباس صفة الاغتسال".
"قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع" وفي نسخة: وقعت: أي صفة الاغتسال "في حديث سهل بن حنيف" "بضم ففتح" "عند أحمد والنسائي" سقط من قلم المصنف قول الحافظ، وصححه ابن حبان من طريق الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، وبه يصح قوله "إن أباه" أي أبا أبي أمامة وهو سهل بن حنيف، أما على السقط ففاسد، إذ تصير الصحبة لحنيف، ولا صحبة له، إنما هي لابنه سهل، "حدثه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج، وساروا معه نحو ماء، حتى إذا كان بشعب الخرار" "بفتح الخاء المعجمة والراء الأولى الشديدة" موضع قرب الجحفة، قاله ابن الأثير وغيره، وقال ابن عبد البر: موضع بالمدينة، وقيل: من أوديتها. انتهى.
لكن يؤيد الأول قوله "من الجحفة: اغتسل سهل بن حنيف" وفي رواية مالك عن محمد بن أبي أمامة، عن أبيه، فنزع، أي سهل جبة كانت عليه، "وكان أبيض حسن" أي مليح "الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة، فقال: ما رأيت كاليوم" أي ما رأيت في يوم جلدًا في البياض والحسن كهذا الجلد، "ولا جلد مخبأة" "بضم الميم وخاء معجمة وموحدة وهمز" وهي المخدرة المكنونة التي لا تراها العيون ولا تبرز للشمس فتغيرها، يعني: أن جلد سهل كجلد المخبأة إعجابًا بحسنه.
وفي رواية الك المذكورة: ولا جلد عذارء بدل مخبأة، فكأنه جمع بينهما، فاقتصر كل راو على ما سمعه، أو أحدهما بالمعنى، لكن لا شك أن مخبأة أخص، "فلبط سهل" "بضم اللام وكسر الموحدة وطاء مهملة"، "أي صرع وسقط إلى الأرض" وزنًا ومعنى.
وقال ابن وهب: لبط: وعك، وكأنه فسره برواية مالك بلفظ: فوعك سهل مكانه، واشتد وعكه، جمعًا بين الروايتين لاتحاد القصة والمخرج، ولا يتعين لجواز أن سقوطه من شدة وعكه، وهذا أولى إبقاء للفظين على حقيقتهما.