كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 9)

راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرًا منها".
قال في الهدى النبوي: وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عالجته وأجلته فإنها تتضمن أصلين عظيمين، إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته.
أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك لله تعالى حقيقة، وقد جعله عند العبد عارية، فإذا أخذه منه فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير.
__________
قال الباجي: لفظ مصيبة موضوع في أصل كلام العرب لكل من ناله خير أو شر، لكن خص في عرف الاستعمال بالرزايا والمكاره، "فيقول" زاد في رواية، كما أمره الله، أي بالثناء والتبشير لقائله المقتضى ندبه، والمندوب مأمور به على المختار في الأصول، "إنا لله" ملكًا وعبيدًا يفعل بنا ما يشاء "وإنا إليه راجعون" في الآخرة فيجازينا، "اللهم أجرني" "بقصر الهمزة وضم الجيم وسكون الراء".
قال عياض: يقال أجر "بالقصر والمد"، والأكثر أنه مقصور لا يمد، أي أعطني أجري وجزاء صبري وهمي "في مصيبتي، واخلف" "بقطع الهمزة وكسر اللام" "لي خيرًا منها إلا أجره الله" أثابه وأعطاه الأجر "في مصيبته، واخلف له خيرًا منها" فينبغي لكل من أصيب بمصيبة أن يفزع إلى ذلك تأسيًا بكتاب الله وسنة رسوله.
قال ابن جريج: ما يمنعه أن يستوجب على الله ثلاث خصال، كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها، صلوات الله ورحمته والهدى، قاله أبو عمر بن عبد البر.
وبقية الحديث قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إني قلتها: فأخلف الله لي خيرًا منه، رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"قال" ابن القيم "في الهدي النبوي: وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عاجلته" الدنيا، "وآجلته" الآخرة، "فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق" أي اتصف "العبد بمعرفتهما، تسلي عن مصيبته" وصبر "أحدهما" أي الأصلين؛ "إن العبد وأهله وماله ملك لله تعالى حقيقة، وقد جعله عند العبد عارية، فإذا أخذه منه، فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير" وقد ضربت المثل بالعارية أم سليم لزوجها أبي طلحة لما مات ابنه منها أبو عمير وتحته في جانب البيت، وكان أبو طلحة خارجًا عنه، فلما جاء قال: كيف الغلام؟، قالت: هدأت نفسه، وأرجو أنه استراح، وقربت له العشاء، فتعشى، ثم تطيبت وتعرضت له حتى واقعها، فلما أراد أن يخرج، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قومًا قد أعاروا أهل البيت عارية، فطلبوا

الصفحة 407