كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 9)

دعاء، ولكن قال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"، وقال أمية بن أبي الصلت في مدح عبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضك الثناء
__________
ابن أبي شيبة عن علي، مرفوعًا: "أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، "فقال سفيان: هو ذكر وليس فيه دعاء، ولكن قال النبي صلى الله عليه وسلم" فيما يرويه "عن ربه عز وجل" بواسطة الملك أو بدون واسطة، وجهان في جميع الأحاديث الإلهية: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" تصريح الدعاء.
"وقال أمية بن أبي الصلت" عبد الله بن ربيعة الثقفي: كان يتعبد في الجاهلية ويؤمن بالبعث، وينشد في ثنائه الشعر المليح، ويطمع في النبوة، وأدرك الإسلام ولم يسلم، ومات في حصار الطائف سنة ثمان كافرًا.
وفي مسلم عن الشريد بن سويد: أنه أنشد النبي صلى الله عليه وسلم من شعر أمية مئة بيت، وفي ابن عساكر وغيره مرفوعًا: "آمن شعر أمية بن أبي الصلت وكفر قلبه" "في مدح عبد الله بن جدعان" "بضم الجيم وإسكان الدال، ثم عين مهملتين، فألف، فنون" ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم التيمي، يكنى أبا زهير، وهو أحد من حرم الخمر في الجاهلية، وابن عم عائشة، ولذا قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن ابن جدعان كان يطعم الطعام ويقري الضيف، فهل ينفعه ذلك؟، فقال: "لا. إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين".
رواه مسلم: "أأذكر حاجتي أم قد كفاني" يحتمل أن الاستفهام تقريري والظاهر أنه استفهام إنكاري أي لا أذكرها بل قد كفاني "حياؤك" بفتح المهملة والتحتية والمد، عن ذكر حاجتي، "إن شيمتك" "بمعجمة" طبيعتك التي خلقت عليها "الحياء" المقتضى مزيد الكرم، المغني عن ذكر الحاجة، ويحتمل أنه "بكسر الحاء وموحدة فيهما" أي عطاؤك بلا عوض "إذا أثنى عليك" أي مدحك "المرء يومًا" قطعة من الزمان لا حقيقة اليوم، "كفاه من تعرضك" "مصدر مضاف لمفعوله"، أي كفاه من سؤاله لك، أو من طلب معروفك "الثناء" أي ثناؤه عليك، وأنشده غير المصنف من تعرضه الثناء، وهو ظاهر، والمعنى على الضبط الأول: إن الثناء عليك يحملك على البحث عن حاجة المثنى والتقيد بأمره، فيكفيه ذلك عن ذكرها. وعلى الثاني: إن عطاءك بمعنى إعطائك، يغني ذا الحاجة عن السؤال، ويجعل مجرد الثناء كافيًا، بل لا يحتاج إليه، فإن مجرد علمك بالحاجة كاف في بذل معروفك، فليس القصد بالثناء إلا مجرد

الصفحة 411