كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 9)
كمال له، وسلب كل نقص وتمثيل عنه، وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه. فعلم القلب ومعرفته بذلك توجه محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور وما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه ويقوي نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي، فحصول هذا الشفاء للقلب أولى أو أحرى. ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمنها هذا الحديث وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق، وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسرور. وإنما يصدق هذه الأمور من أشرقت فيه أنوارها وباشر قلبه حقائقها.
قال ابن بطال: حدثني أبو بكر الرازي قال: كنت بأصبهان عند أبي نعيم فقال له شيخ: إن أبا بكر بن علي قد سعي به عند السلطان فسجن، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وجبريل عن يمينه يحرك شفيته بالتسبيح لا يفتر، فقال لي
__________
وسلب كل نقص وتمثيل عنه" وذلك أصل التنزيهات الجلالية، كما قاله الطيبي؛ "وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه" إذ الحليم الذي يؤخر العقوبة مع القدرة، كما مر، "فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه ويقوي نفسه كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي، فحصول هذا الشفاء للقلب" إذا ورد عليه ما سبق عند علمه بكمال العظمة ... إلخ "أولى أو أحرى" عطف مساوٍ حسنه اختلاف اللفظ، "ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمنها هذا الحديث وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق وخروج القلب منه إلى سعة البهجة" أي إلى السعة الحاصلة للداعي بسبب ما قام به من البهجة "والسرور، إنما يصدق هذه الأمور من أشرقت فيه" أي في ذاته "أنوارها وباشر قلبه حقائقها" لا من لم يصل إلى ذلك.
"قال ابن بطال" العلامة المحدث أبو الحسن علي شارح البخاري: "حدثني أبو بكر الرازي" "قال: كنت بأصبهان عند أبي نعيم" الحافظ أحمد بن عبد الله الأصبهاني، صاحب الحلية وغيرها، "فقال له شيخ: إن أبا بكر بن علي" لفظ ابن بطال، وهناك شيخ يقال له أبو بكر بن علي، عليه مدار الفتيا، "قد سعى به عند السلطان، فسجن، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وجبريل عن يمينه يحرك شفيته بالتسبيح" أي تنزيه الله تعالى "لا يفتر" عنه فهو منه كغيره من الملائكة، كالنفس منا لا يشغلنا عنه شاغل، كما قال تعالى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَار