كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 9)
فأذهب الله همي، وقضي ديني عني.
وقد تضمن هذا الحديث الاستعاذة من ثمانية أشياء، كل اثنين منها قرينان مزدوجان: فالهم والحزن أخوان، والعجز والكسل أخوان، والجبن والبخل أخوان، وضلع الدين وقهر الرجال أخوان، فحصلت الاستعاذة من كل شر.
__________
"قال" أبو أمامة: "ففعلت ذلك" أي لازمت هذا الدعاء صباحًا ومساء، "فأذهب الله همي وقضى ديني عني".
قال في الإصابة: ظاهر سياق أول الحديث أنه من حديث أبي سعيد، وآخره أنه من رواية أبي أمامة، هذا وقد أخل المزي بترجمته في التهذيب والأطراف، وأغفله أبو أحمد الحاكم في الكنى. انتهى.
ولا مخالفة، والحديث إنما هو من رواية أبي سعيد، وقول الأنصاري: قلت: بلى يا رسول الله، ما نقل أبي سعيد عنه بتقدير قال: قلت كما صرح بلفظ قال: ففعلت، ولذا أغفله المزي في كتابيه؛ لأنه لم يرو الحديث، إنما الراوي أبو سعيد، "وقد تضمن هذا الحديث الاستعاذة من ثمانية أشياء، كل اثنين منها قرينان مزودوجان" أي متشاكلان، "فالهم والحزن أخوان" إذ المكروه الوارد على القلب إن كان من مستقبل يتوقعه أحدث الهم، أو من ماض أحدث الحزن، "والعجز والكسل أخوان" لأن التخلف عن أسباب الخير، إن كان لعدم قدرة فالعجز، أو لعدم إرادته فالكسل، "والجبن والبخل أخوان" لأن عدم النفع، إن كان بالبدن فالجبن، أو بالمال فالبخل، "وضلع الدين" "بفتح المعجمة واللام" أي ثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء لثقله، حيث لا يجد وفاء، لا سيماء مع المطالبة، "وقهر الرجال أخوان" فإن استيلاء الغير إن كان بحق فضلع الدين، أو بباطل فقهر الرجال، "فحصلت الاستعاذة من كل شر" وهذا قالوه في حديث البخاري وغيره، عن أنس رضي الله عنه: كان صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال"، فأتى به المصنف وإن كان لفظ حديثه وغلبة الدين؛ لأنه بمعنى ضلع لدين.
قال بعض العارفين: يجب التدقيق في فهم كلام النبوة ومعرفة ما انطوى تحته من الأسرار، ولا يقف مع الظاهر، فالمحقق ينظر ما سبب حصول القهر من الرجال، فيجده الحجاب عن شهود كونه سبحانه هو المحرك لهم حتى قهروه، فيرجع إلى ربه، فيكفيه قهرهم، والواقف مع الظاهر لا يشهده من الحق، بل من الخلق، فلا يزال في قهر، ولو أن شهد الفعل من الله، لزال القهر ورضي بحكم الله، فما وقعت الاستعاذة إلا من سبب القهر الذي هو الحجاب.